لقد جرى دسُّ مصطلح « هجوم »
( Attaque )
لتوصيف اعتداء الحادي عشر من أيلول من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما ، عن تعمد وذلك لوضع
الردات العسكرية وغير العسكرية عليه في مصاف « الدفاع » المشروع عن النفس
( Auto defense )
لقلب الأدوار والظهور
بمظهر الضحية واستدرار تأييد الرأي العام في الغرب كما في العالم ودفعه إلى الهلع وتقبل أوزار الحروب الآتية ومستلزماتها كافة بذريعة ، بل بذرائع ، مفرطة في المبالغة والتضخيم والتلفيق وصولًا إلى التزوير السافر للوثائق والأسانيد والشهادات الكاذبة .
لم يكن ما حدث آنذاك « هجوماً » كما يتردد في مغالطة مضحكة ، إذْ ليس هو في القراءة العقلانية سوى غارة محدودة قام بها وخطط لها غلاة ثائرون بحسابات استراتيجية وسياسية مغلوطة وبردة فعل على ظلم واستغلال مستدامين ومستفحلين ، هما في أساس نشؤ تراجيدياً الإرهاب والتعصب والانغلاق على الذات أينما كان .
فلا يجوز بأية حال احتسابه « هجوماً للإسلام على الغرب » ، فلا الذين هاجموا ، وعددهم حوالي ستة وثلاثون شخصاً ، هم الإسلام ، ولا هم يختصرون المسلمين ، ولا البرجان النيويوركيان هما الغرب ، مأخوذاً بالجملة أو بالمفرق ، ولا الإغارة عليهما يمكن لها قلب المعادلات الدولية لمصلحة القضايا التي لأجلها عبس وتولى المغيرون ثم تمردوا ، لكنها " معركة الأفكار " « 1 » التي يبتكر فيها الأقوى أعداءه ويختار حروبه المتعددة الرؤوس عليهم « 2 » .
في مسار الخلل العلائقي التاريخي والمستحكم بين العالمين الغربي والإسلامي ، وفي ظل التوازن في القوى بينهما منذ بضعة عقود ، لطالما كان المسلمون في وضع من ظهره إلى الجدار ، وفي وضع المدافع أو المتلقي ، لا في وضع المبامدءة والهجوم . وعلى هذا لا نعتبر ردات المسلمين في العالم على انتهاكات الرسوم الكاريكاتورية الدانمركية وأشباهها مثلًا ، هي أيضاً ، « هجوماً » كما حلا للبعض أن يسموها . فما هي في رأينا إلا مجرد حركة ردة فعل موضعية مقيدة بحدود الاعتداء الذي تعرضت له بعض مقدسات المسلمين . ولو كانت غير ذلك ، وليتها كانت ، لأضحت الدنيا غير الدنيا ، ولكنا شهدنا تحولًا نوعياً في المسار العلائقي بين العالمين الإسلامي والغربي خارج جميع المعادلات السابقة .
إذْ نرى إلى ذلك كله ، فإننا لا نجهل البتة أن الغرب ليس واحداً إذا قريء بمعيار علاقته بمكوناته أو علاقته بذاته ، كما لا نتجاهل أن في تضاعيف العالم الغربي الذي وصفناه ثمة تيارات فكرية ودينية وإنسانية وقوى مجتمعية حية مشهودة ومشهورة تطير خارج سرب الاستكبار السياسي الغربي ، كما أننا لا نغفل عن وجود تناقضات سياسية ومصلحية دولتية أو إقليمية أو عالمية ذات طابع وتأثير مؤقتين بين دول الغرب نلحظها بين الفينة والفينة .
نعرف أيضاً أن النظرة إلى الغرب « 3 » باعتباره وحدة كيانية متراصة وكتلة مجتمعية وسياسية صماء ، هي فرضية تتضمن كثيراً من الدواعي التي تحرض على نقدها من غير كبير عناء ، كما تشرع
هامش
( 1 ) أدونيس جريدة " السفير " بيروت ، 3 نيسان / إبريل 2003 .
( 2 ) من باب تحصيل الحاصل في هذا السياق الإشارة إلى ظاهرة بارزة في الأدبيات الإسلامية والعربية ، وهي استخدام مصطلح " الغرب " في جميع القضايا المتعلقة بجيوبوليتيك العالم . والملاحظة أن الباحثين الغربين هم أقل ترداداً لهذا المصطلح ، سوى في قضايا الجيوبوليتيك الكبرى ، إلا أنهم يذهبون به مذاهب شتى .
فيرى الفرنسي فيليب نيمو( Philippe Nemo )مثلًا أن مفهوم " الغرب " يكتنفه غموض كبير ، ولذلك تعددت النظرة اليه على نطاق واسع . أما عنده فإن الغرب هو المعادل للثقافة الغربية التي لم تنشأ صدفة ، أو نتيجة للضرورة ، وإنما هي تشكل لروح اتخذت بناها في خمس لحظات تاريخية مفتاحية يسميها فيليب نيمو : " الثورات الخمس " ، وهي عنده بالأهمية المتسلسلة الآتية :
ثورة إنشاء المدينة أو الحاضرة( Cite )ونشأة العلم (Seienee )، على يد اليونان .
ثورة تأسيس القانون الخاص المدون (Droit Prive )وظهور الاتجاه الإنساني( Humanisme )على يد الرومان .
ظهور النبوات ذات المنحى الأخلاقي والغيبي طبقاً لما ورد في التوراة .
الثورة البابوية ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر ، عندما طرحت وجوب اعتماد الوسائل القانونية في حل النزاعات بين البشر ، والإقرار بسلطة العقل من خلال العودة إلى الإرث الفكري اليوناني ، وذلك بمبادرة من البابوات .
الثورة الديمقراطية الكبرى الحديثة .
ولقد أحدثت هذه الثورات ، في رأي ( نيمو ) ، تحولات غير مسبوقة في العلاقات بين البشر وكل ما يحيط بهم ، ما أدى إلى قيام الحضارة الغربية واتخاذها ميزات خاصة بها لم تستطع محوها التعددية الثقافية التي يستغرق في الحديث عنها كثير من الباحثين في العالم اليوم . وبقطع النظر عن مواضع الإصابة في هذا الرأي أو خطلها ، فإن فيليب نيمو يعتبر في جوهر رؤيته أن الغرب ما كانت لتقوم له قائمة لولا وجود الحرية الفردية الفكرية والسياسية والاقتصادية . وبمعنى آخر يكون الغرب ناتج الحرية الفردية التي كانت المحرّك( Moteur )الذي تزول مفاعيل وجوده إن انكسر أو تعطل .
-( Voir : Nemo , Philippe " Qu'est ce que l'Occident " PUF , Paris 2004( 3 ) ثمة ما يربو على 2 ، 1 بليون شخص في العالم يعيشون اليوم على أقل من دولار أميركي في اليوم ، كما أن ما يقرب من 850 مليون شخص يذهبون للنوم جياعاً ، . . والمجموع الكلي للذين كانوا يعيشون من دون خدمةالتيار الكهربائي عام 2004 هو 6 . 1 بليون شخص وحتى عام 2006 أصبح 2 % .
ثروتها من سكان الأرض يملكون نصف ثروته ، بينما يملك نصف سكان العالم الأفقر 1 % منها فقط ( راجع : أبو مصلح ، غالب " أزمة النظام الاقصادي العالمي العالم في مرحلة مخاض " ص / 13 .
و : -( UNDP ) " Annual Report 2008 " ) .