العشرين مسجدا " الموجودة أساسا " « 1 » . ولا يمكن التقليل من دور المساجد بوصفها مركز العمل المجتمعي ، بل إنّ أحمد روادجيا يصفها بأنها مراكز نمو الحركة الإسلامية في الجزائر « 2 » . كذلك وجد المشاركون في مشروع " المجتمع المدني في الشرق الأوسط " الذي جرى تداوله في أوائل التسعينات ، أنفسهم يعودون دائما " إلى الدور المركزي للمسجد « 3 » .
ولكن يبدو من الواضح ومن المنطقي أيضا " أن التسيس الجماهيري لم يكن الشكل الوحيد لعودة النشاط الإسلامي . وذلك على الرغم من كونه الشكل الذي جذب الاهتمام الأكبر . إذ كانت هناك أشكال أكثر هدوءا " قد نمت حول هذه المساجد كما في الشبكات الأوسع للمجتمعات المدنية ذات الأحوال الريفية .
كان هناك زمن في الستينات والسبعينات اعتبر فيه المراقبون الأجانب أن الطرق الصوفية قد أفل نجمها ، إما لأن البنى الاجتماعية التي تتجذر فيها كانت تختفي « 4 » ، وإما لأن المتصوفة ينتمون إلى زمن ماضٍ ولم يعد في وسعهم التعامل مع العالم الحديث « 5 » . إلا أنه من الصعب أن يحمل أحد مثل هذا الرأي الآن . كذلك فإن حركة مثل « تبليغي جماعة » التي نشأت في شمال الهند ، ما لبثت أن تمددت إلى كل أنحاء العالم داعية العدد المتزايد من أعضائها إلى التقوى الشخصية ووعظ الآخرين بها بدلًا من السياسة الجماهيرية « 6 » .
إلا أنّ هذا ينبغي ألا يدفعنا إلى التقليل من أهميّة النزوع إلى الاضطرابات الناجمة عن الاتجاهات المجتمعية وعن عولمة السياسة والاتصالات . ذلك أنّ الاتجاهات التي وصفناها . . . والتي نمت على مدى عقد ونصف ، أي حتى عام 1975 تقريبا " ، لم تتوقف . فازدادت نسبة السكان المدينيين في العراق من 62 % كما رأينا عام 1975 إلى 70 في المئة ، وفي سوريا من 46 إلى 51 في المئة ، وفي تونس من 47 إلى 60 في المئة . ولم تنخفض ، إلا في مصر ( من 48 إلى 44 في المئة ) . أما في لبنان فارتفعت من 60 إلى 86 في المئة « 7 » . والسكان المدينيون هؤلاء هم من الفئة العمرية الأصغر سنا " في العالم ، ويعانون من أعلى نسبة بطالة بين الشباب أيضا " . وكما يقول تقرير التنمية العربي الأول
UNDP
برنامج الأمم المتحدة للتنمية ، فإن العالم العربي يضم أيضا " إحدى أعلى نسب الأمية وأعلى نسب استبعاد للمرأة والنسبة الأكثر انخفاضا " للاتصال بالإنترنت وهي نسبة أدنى حتى من أفريقيا جنوب الصحراء « 8 » .
وقد جد التهميش والإحباط اللذان تخفيهما هذه الاحصاءات تعبيرهما في النضالية العنفية ، وخصوصا " في البيئات التي كان فيها العنف قد أصبح ظاهرة منتشرة بفعل أسباب أخرى . وفي هذا الإطار يفكر المرء فورا " بالجزائر وبإسرائيل / فلسطين . وفي الوقت نفسه كان الكثيرون يتخلون عن العنف باحثين عن خبزهم اليومي ، ليجدوا بعض الاطمئنان في عودة الحياة إلى شبكات الطرق الصوفية والأشكال التقليدية للتديّن الشخصي كما يرى المرء الحال في بلدان مثل لبنان وسوريا ومصر . وقد تبدو مثل هذه الاتجاهات متناقضة ، لكن ثمة نسقا " عاما " يربط بينها ، يتمثل في فرض المحلي لنفسه وفي كسر النسق القائم ، حتى لو بدت العمليات الداخلية متشابهة .
هامش
( 1 ) -Ahmed Rouadjia , les Freres et la Mosquee : Enquete sur le movement islamiste en Algerie , Paris : Karthala , 1990 , p . 38 .( 2 ) -Ibid . passim .( 3 ) -Augustus Richard Norton ( ed . ) , Civil Society in the Middle East , 2 vol . Leiden : Brill , 1995 - 6 ; see particularly the papers by Ahmad Mousalli Muhammad Muslih , Nil fer Gole and Sarah Roy .( 4 ) -See J . S . Trimingham , The Sufi Orders in Islam , Oxford : Oxford University Press , 1971 .( 5 ) - عبد الله حنّا ، " ميزان القوى الاجتماعية بين الطرق الصوفية وحركات التجديد الإسلامي في عصر النهضة " في الدين والمجتمع العربي ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1990 ص ص ، 327 - 338 .
( 6 ) -Khalid Masud ( ed . ) Travellers in faith : studies of the Tablighi jama' at as a transnational Islamic movement for faith renewal , Laiden : Brill , 2000 .( 7 ) -UNDP , Arab Human Development Report 2002 , New York : UNDP , 2002 , P . 143 .( 8 ) -Ibid .