تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
في تاريخ مصر الحديث مع رفاعة رافع الطهطاوي الذي كان قد بذل هو الآخر جهداً كبيراً في استيعاب إنجازات تطور الحضارة الإنسانية على يد الأوروبيين ، ولها أيضاً تعبيراتها المماثلة لدى مفكرين آخرين في أقطار أخرى ( خير الدين التونسي في تونس ، جمال الدين القاسمي ومحسن الأمين في لبنان وسوريا ) . وأما السؤال / المشكل الذي تركته هذه المدرسة للفكر التاريخي النقدي ، فكان : " هل تسمح سياسة الاستعمار الحديث بإتمام إنجاز هذا المشروع الحضاري ؟ " . إن مهمة " التحديث " التي شكّلت أساس المشروع الإصلاحي قامت على تعبئة الطاقات والإمكانات الفكرية حول فكرة بناء المؤسسة الحديثة في الدولة ، والتي من شأنها أن تساهم في تغيير العقلية والمنهج ( أي المؤسسة التربوية ) وفي حماية الإنسان فرداً وجماعة ( أي المؤسسة الدستورية ) . إستنتاجات : نستنتج من هذا العرض أموراً أهمها : أولًا : إن التقسيم الذي درج عليه العديد من الباحثين في تصنيف مفكري ذاك الزمن التاريخي بين علمانيين وإسلاميين هو تقسيم افتراضي وإسقاطي : إسقاط زمن الصراع اللاحق الذي استحكم بين القوميين والإسلاميين بدءاً من خمسينات القرن العشرين ، على زمن آخر اتسم بالتوفيق بين اجتهاد إصلاحي إسلامي وبين مرجعية ليبرالية غربية . ثانياً : إن القطيعة التي دعا إليها المفكرون الليبراليون العرب ، مع " الماضي الإسلامي " ، أمثال شبلي الشميل وفرح أنطون وفارس ويعقوب صروف وآخرين . . لم تكن قطيعة مع المرجعية الحضارية الإسلامية ، بل مع " ماضٍ إسلامي " معين اتصف بالجمود والإنحطاط والاستبداد . . ، وهو غير " الماضي الإسلامي " المفترض في وعي الإصلاحيين الإسلاميين . ذلك أن كل فريق من هؤلاء يستحضر صورة معينة للماضي الإسلامي ومرحلة محدّدة من التاريخ الإسلامي ينتقيها لتبرير اجتهاده ودعوته . ورأيي أن الفريقين محقان في خيارهما . فالصورتان ، صورة الازدهار والشوروية كما صورة الإنحطاط والاستبداد ، قد تكونان ماثلتين ومتحققتين في التاريخ الإسلامي . إلا أن المرجعية الحضارية والثقافية والمعرفية الحاضرة ( المنبهة على حد قول رشيد رضا ، والآيلة إلى ما انتهى إليه الفكر الإنساني العالمي ذي الفطرة الواحدة ، على حد رأي حسين نائيني ، هي مرجعية الغرب الحضاري آنذاك ، حيث شكل إنجاز الفكر الليبرالي في مجال النظام الدستوري وحقل ضبط الحقوق والواجبات بين الشعب والحاكم مرجعية واحدة وإن اختلف النظر إلى التاريخ الإسلامي ومراحل تحقيبه وتقييمه . وهو أمر على كل حال ، يشي بقصور كبير في حقل البحث التاريخي العربي والإسلامي منذ التفت الإصلاحيون العرب الأوائل إلى تاريخهم وحتى يومنا .