تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
الاختيار بين أي من الاتجاهات الثلاثة في تفسير دوافع وأهداف محمد علي ولكن إلى القول بأنها جميعها تمثل تطورًا مرحليًّا في سياسته ، فإذا كانت المرحلة الأولى من تطور تجربة محمد علي ( حتى معركة نوارين ) قد اتسمت بالتركيز على الإصلاح الداخلي والتعاون مع الدولة العثمانية ( في القضاء على الحركة الوهابية والثورة اليونانية ) فإن ذلك يعني أنها اتسمت بالسعي من جانب محمد علي لتطوير عناصر القدرة وإثبات الدور المتميز في خدمة السلطان بوصفه واليًا مسلمًا ، وأن سعي هذا الوالي لتدعيم مواقفه الاستقلالية يظل في نطاق النظام العثماني حيث لا يظهر إلا الولاء والطاعة . ولكن سرعان ما حدث تحول في هذا التوجه وبدأت مرحلة جديدة بعد أن تطورت نتائج عملية الإصلاح وتدعمت أركان الجيش المصري على نحو وجد به محمد علي كما يقول البعض - نفسه في حالة من القوة تفوق سلطانه وخليفته بحيث أضحى أكبر قوة في الدولة الإسلامية التي اعترف السلطان بوضعها هذا حين استعان بها ، وقد لعبت السياسات الأوروبية والعثمانية دورها في إحداث هذا التحول كما سنرى لاحقًا - وعبرَّ ذلك التحول عن نفسه في الصدام مع العثمانيين في الشام والأناضول ( حرب الشام الأولى ) وبالسعي لتعبئة مساندة بعض القوى الأوروبية للوجود المصري في الشام ، ولهذا فإن هذه المرحلة الثانية من تطور سياسات محمد علي ( حتى صلح كوتاهية 1833 م ) اتسمت بالبحث عن درجة أكبر من الاستقلال الذاتي والدور الخاص المتميز ، ولكن ظل محمد علي حتى بعد ضم الشام وصلح كوتاهية مجرد والٍ عثماني يدفع الجزية . أما المرحلة الثالثة التي شهدت بدايتها تدعيم الوجود المصري في الشام كما شهدت نهايتها تهديد الجيش المصري لقلب الدولة العثمانية ( بعد معركة نزيب 1839 ) وسعي محمد علي لتعبئة اعتراف دولي بحكم أسرته الوراثي ، فإن هذه المرحلة أفصحت عن نوايا وأهداف أكبر لا يمكن تحقيقها في ظل النظام العثماني ، فلقد كانت تفرض على محمد علي النظر في إمكانات الاستقلال الحقيقي أو إصلاح الدولة العثمانية أو استبدال " الرجل المريض " برجل آخر مسلم أكثر صحة . أي إن محمد علي - وإن وصل إلى رفض استمرار سيادة السلطنة العثمانية الضعيفة - فإنه كان يريد إقالة الدولة الإسلامية من عثرتها ببديل أكثر صحة ، أي " إسلاميًّا " وليس " قوميًّا " بالمعنى الذي يتبادر إلى ذهن من قالوا إنه كان يريد الاستقلال ، كما لم يكن " عثمانيًا " بالمعنى الذي يتبادر إلى ذهن من رفض فكرة أنه كان يريد الاستقلال . بعبارة أخرى وبفرض سعيه نحو خلافة عربية فهذا لا يعني تحيّزًا قوميًّا عربيًّا بالمعنى الحديث - حيث إن القومية كأيديولوجية كانت مجهولة لمحمد علي بل بالنسبة لعرب الشام وليس والي مصر التركي فقط ، ولكنه يعني أن مركز الخلافة يمكن أن ينتقل إلى مركز قوة آخر غير العثمانيين الأتراك بعد ضعفهم - مركزٍ يمكن أن يقوم بدوره في إحياء قوة الإسلام كما سبق للعثمانيين أن قاموا بهذا الدور بعد ضعف المماليك . وهنا وفي هذه الحالة ، لم يكن ممكنًا لمحمد علي الذي نقل نماذج أوروبا وخدم أهدافها في وقف الإصلاح الديني بضرب الحركة الوهابية وتعرض لضربتها في نوارين - لم يكن ممكنًا له أن يحظى
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب — صفحة 324 | نخبة من الأكاديميين