مرحلة الانحدار . والسؤال الأساس الذي نطرحه هنا هو : هل كانت العلاقات المملوكية - العثمانية علاقات تعاون أم صراع ؟ وكيف انعكس نمط هذه العلاقة على دور هاتين القوتين في أرجاء العالم الإسلامي ، خاصة أن بعض الفواعل الإسلامية في أطراف العالم الإسلامي كانت تمر بمرحلة انتقالية خطيرة : التصفية في الأندلس ، الابتلاع في وسط وشرق أفريقيا ( الحبشة ) ، بداية الاستقطاع في وسط وشمال غرب آسيا ؟
لقد تطور نمط هذه العلاقة منذ هجمة تيمور لنك وحتى نهاية القرن التاسع ه - من حالة عدم التعاون والتشكيك إلى حالة الحذر والترقب وصولًا إلى حالة الصدام المباشر مع تنامي التنازع على المصالح الإقليمية « 1 » . بعبارة أخرى ظلت الصداقة متبادلة بين سلطاني الدولتين طالما بقيت حدودهما متباعدة ، ولكن دون غياب الترقب والتوتر الحذر بين هذين الفاعلين المركزيين . وكانت الإمارات التركمانية على أطراف آسيا الصغرى وبلاد النهرين تمثل مصدرًا هامًا لهذا التوتر نظرًا لاتصالها بالعثمانيين وتحديها للمماليك وتهديدها لحدود دولتهم . ولكن من ناحية أخرى تخلل هذا التوتر مظاهر للود وللعلاقات الطيبة خاصة حينما كانت تتوالى أنباء انتصارات العثمانيين في أوروبا وعلى رأسها بالطبع فتح القسطنطينية .
ولكن الصدام أخذ يتصاعد تدريجيًا منذ سنة 1463 م وحتى وصل إلى حد الصدام العسكري المباشر سنة 1483 م . وكان تطلع الدولة العثمانية لبسط سيطرتها على الإمارات التركمانية هو السبب المباشر للصدام ؛ حيث تقاربت الحدود العثمانية والمملوكية في شمال الشام مهيِّئةً نقاطًا للاحتكاك الإقليمي . واستمر الصدام العسكري المباشر حول إمارتي ذي القادر وقرمان منذ 1483 وحتى 1492 م وحتى عُقد صلح بين الدولتين . هذا ولقد لعبت بعض القوى الأوروبية ( البابوية ) دوراً في اندلاع هذا الن - زاع الذي لم يتعد في هذه المرحلة الن - زاع على مناطق نفوذ مشتركة ، ومن ثم تمَّ احتواؤه بعقد صلح « 2 » .
( 4 / ب ) نمط العلاقات المملوكية - العثمانية - الغرناطية : المساندة المفقودة في مرحلة سقوط غرناطة
سقطت غرناطة آخر معاقل الوجود الإسلامي في الأندلس سنة 897 ه - - 1492 م بعد فترة من التدهور في قوة الدولة النصرية « 3 » . وكانت مرحلة التدهور والسقوط « 4 » نتاج مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية ، كما شهدت أنماطًا من التفاعلات ذات المدلولات .
وإذا كانت مجموعة من العوامل ساعدت على استمرارمقاومة غرناطة ما يقرب من القرن ونصف القرن ، فإن سقوطها كان محصلة اجتماع تأثير ثلاث مجموعات من العوامل « 5 » :
من ناحيةٍ أولى : الخلافات الداخلية بين أولاد بني الأحمر والتي تصاعدت قرب منتصف القرن التاسع ه - في شكل فتن وحروب أهلية . واستطاع الأسبان استغلال هذه الاختلافات وساعدهم على ذلك اتجاه أمراء بني الأحمر إلى الاستعانة بهم ضد بعضهم البعض « 6 » .
من ناحية ثانية : تنسيق أمراء الأسبان الذي وصل سنة 1479 م إلى اتحاد بين مملكتي قشتالة
هامش
( 1 ) - أنظر تفاصيل الأحداث التي تؤدي إلى هذه النتيجة في :
- د . سعيد عبد الفتاح عاشور : عصر المماليك ، مرجع سابق ، ص ص 266 - 286 .
- تشير بعض المصادر إلى فرح السلطان فرج بن برقوق لهزيمة العثمانيين على يد تيمور لنك ، انظر :
- محمود شاكر : التاريخ الإسلامي ( العصر المملوكي ) ، مرجع سابق ، ص 74 .
من الضروري إجراء تحليل لمضمون مراسلات المماليك والعثمانيين خلال هذه الفترة ومقارنتها بتطور سلوكها حتى يمكن تقديم توضيح أكبر لآليات ودوافع عدم التعاون بين الطرفين .
- محمود شاكر : مرجع سابق ، ص 79 .
- د . محمد مصطفى زيادة : نهاية سلاطين المماليك ، مرجع سابق ، ص ص 198 - 199 .
- د . إبراهيم علي طرخان : دولة الشراكة ، مرجع سابق ، 106 .
- كارل بروكلمان : تاريخ الشعوب الإسلامية الأتراك العثمانيون وحضارتهم ، الجزء الثالث ، ترجمة نبيه أمين فارس ، منير البعلبكي ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1949 .
- د . محمد مصطفى زيادة : مرجع سابق ، ص 199 .
( 2 ) - أنظر التفاصيل في :
- محمد عبد المنعم الواقد : مرجع سابق ، ص ص 99 - 106 .
- د . محمد مصطفى زيادة : مرجع سابق ، ص ص 205 - 210 .
- أحمد دراج : مرجع سابق ، ص ص 102 - 103 ، 114 - 117 .
- د . عمر عبد العزيز : مرجع سابق ، ص ص 45 - 49 .
- د . سعيد عبد الفتاح عاشور : العصر المماليكي ، مرجع سابق ، ص ص 263 - 271 .
- جورج كيرك : موجز تاريخ الشرق الأوسط من ظهور الإسلام إلى الوقت الحاضر ، ترجمة عمر الإسكندري ، مركز كتب الشرق الأوسط ، القاهرة ، 1957 ، ص 84 .
( 3 ) - أنظر تفاصيل هذه التطورات في :
- محمد عبد الله عنان : مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام ، مرجع سابق ، ص ص 293 - 303 .
- شكيب أرسلان : مرجع سابق ، ص ص 181 - 294 .
( 4 ) - أنظر النص الكامل لمعاهدة التسليم في :
- محمد عبد الله عنان : نهاية الأندلس وتاريخ العرب المنتصرين ، مرجع سابق ، ص ص 230 - 260 .
- أنظر أيضًا وصف التسليم والصلح كما جاء في " نفح الطيب " نقلًا عن :
- شكيب أرسلان : مرجع سابق ، ص ص 286 - 293 .
( 5 ) - أنظر رؤية حول هذه العوامل في :
- شوقي أبو خليل : عوامل النصر والهزيمة عبر تاريخنا الإسلامي ، دار الفكر ، دمشق ، ط 2 ، ص ص 117 - 120 .
( 6 ) - أنظر التفاصيل في :
- ل . ا . سيديو : مرجع سابق ، ص ص 367 - 369 ، 373 - 375 .
- محمد سعيد المطوي : مرجع سابق ، ص ص 246 - 247 .
- محمد عبد الله عنان : مرجع سابق ، ص ص 293 - 303 .
- شكيب أرسلان : مرجع سابق ، ص ص 181 - 249 .