مواجهة القوى المسيحية . . . ؟ ! وبغض النظر عن ماهية الإجابة على هذا السؤال الأخير فيكفي التذكير بالآثار غير المباشرة طويلة المدى لهجمة تيمور لنك وعواقبها بالنسبة لتوازن القوى الإسلامية - الأوروبية .
2 - دولة المماليك الشراكسة وأبعاد التطور في الهجمة الصليبية الجديدة :
تداخلت من جديد خلال القرن التاسع ه - الأبعاد الاقتصادية والعسكرية في العلاقات المملوكية ، الإفرنجية على نحو جعل منها امتدادًا لقضايا المرحلة السابقة ولكن في إطار ذي معطيات متغيرة .
فمن ناحية : تبلورت بعض الأدوات الجديدة من جانب الإفرنج إلى جانب الأدوات السابقة ( حرب الموانئ والسفن والحصار ) « 1 » ؛ ومن أهمها : التحالف مع الحبشة المسيحية كبداية للالتفاف من الجنوب . فإذا كانت قبرص ورودس قد مثلتا قاعدتي أعمال القرصنة الإفرنجية ضد مصر والشام ، وإذا كانت أراجون قد ساندت أيضًا هذه الأعمال ، فلقد تبلور توجه أوروبي في هذا الوقت للتحالف مع الحبشة . ولم ينفصل هذا التوجه عن حالة المواجهة الإسلامية - المسيحية ليس لإحكام دائرة الهجوم على مصر من الشمال بحلقة أخرى من الجنوب فقط ، ولكن لإحكام الهجوم الإفرنجي على شمال أفريقيا أيضًا . ولقد توافر لدى ملوك الحبشة الدوافع للاستجابة لهذا التوجه الإفرنجي ؛ ومن أهمها : تعبئة مساندة الإفرنج لجهود ملوك الحبشة ضد مسلمي الحبشة الذين لم ينقطع جهادهم طوال ثلاثة قرون .
ومن ناحية أخرى : توالت مبادرات الدولة المملوكية للتصدي لهذه الأدوات ، ولقد أبرزت هذه المبادرات أمرين : أحدهما - التداخل الشديد بين الأبعاد الاقتصادية والعسكرية في السياسة الخارجية المملوكية ؛ فإلى جانب سياسة " الاحتكار " التي طبقها " برسباي " كأداة ضد الإفرنج وفي الوقت نفسه كسبيل لزيادة الموارد المالية اللازمة لمواجهة الأمراض التي ألمت بالاقتصاد المملوكي - واستحكمت عند منتصف القرن التاسع ه - ، الخامس عشر الميلادي « 2 » ؛ إلى جانب هذه السياسة التي لم تحقق أهدافها كاملة - اتجه المماليك الشراكسة إلى غزو جزيرتي قبرص ورودس قاعدتي أعمال القرصنة المسيحية ضد مصر والشام . وإذا كانت قبرص قد سقطت في سنة 829 ه - / 1426 م ، فإن رودس امتنعت بالرغم من تكرار الحملات عليها . وكان هدف الحملات الحربية على الجزيرتين يندرج بين أهداف المماليك لتأمين التجارة : مصدر الثراء للاقتصاد المملوكي « 3 » .
أما الأمر الثاني الذي اتسمت به مبادرات المماليك فهو ذو أبعاد داخلية واضحة تتصل أساسًا بأوضاع التجار الإفرنج وأهل الذمة ؛ حيث ارتفعت معدلات التشدد ضدهم مع تزايد الأعمال العدوانية الصليبية ضد مصر من الشمال ومن الجنوب « 4 » .
ويتضح لنا من متابعة تطور التفاعلات المملوكية الإفرنجية حدوث تطورات في مصدر التهديد الأساس للدولة المملوكية الثانية بالمقارنة بالأولى . فإلى جانب قبرص ورودس تبلورت أدوار أرجون وقشتالة العدائية . كما يتضح لنا أيضاً أنه كان هناك قدر واضح من التأثير المتبادل بين هذه التفاعلات
هامش
( 1 ) - أنظر رصدا لهذه الغارات منذ بداية حكم الشراكسة وحتى غزو قبرص في : د . عبد العزيز عبد الدايم : مرجع سابق ، ص ص 208 - 211 .
( 2 ) - د . فاروق عثمان أباظة مرجع سابق ص ص 5 - 36 .
- د . حسين مؤنس : مرجع سابق : ، ص ص 28 27 .
( 3 ) - د . محمد مصطفي زيادة : المحاولات الحربية للاستيلاء على جزيرة رودوس ، ص 196 195 .
- د . وفاء محمد علي : مرجع سابق ، ص ص 81 ، 95 .
- د . عبد العزيز عبد الدايم : مرجع سابق ذكره ص ص 213 211 .
- د . توفيق إسكندر : سفارة بيرو دييدو ومعاهدة تنازل مصر عن قبرص ، تاريخ مصر في محفوظات البندقية ، وثائق غير منشورة ، السلسلة الأولى ، المعاهدات رقم 1 ، مكتبة ومطبعة المصري ، القاهرة 1956 ( المقدمة ) . وانظر في نفس المصدر نص وثائق مترجمة تبين خط سياسة البندقية 1489 م 1490 م التي كانت تناور بين مصر والأتراك لتدعيم نفوذها في قبرص .
- د . عبد العزيز عبد الدايم : مرجع سابق ، ص ص 314 312 .
- د . محمد مختار العبادي ، د . عبد العزيز سالم : مرجع سابق ص ص 340 336
( 4 ) - أنظر التفاصيل في :
- د . عبد العزيز عبد الدايم : مرجع سابق ، ص ص 215 208 .
- أحمد دراج : مرجع سابق ، ص ص 24 17 .
-A . S . Atiya : op . cit pp . 272- وأنظر ما حصره هذا المصدر نقلا عن مصادر أولية في التاريخ الإسلامي من أعمال عنف منذ نهاية القرن 13 م وحتى منتصف القرن 15 م ( في هامش 274 275 من نفس المصدر ) .