ارزقني مواساة من قترت عليه من رزقك بما وسعت عليّ من فضلك وأحييتني تحت ظلك . ومن الواضح أن مواساة الفقير تكون بعدم الزيادة على مستوى حياته من المأكل والملبس والمسكن . وإن كان الفرد متمكناً منها .
الوجه الرابع : إنه لو تمّ قول المستشكل للزم الفتوى فقهياً بوجوب الزهد على من يتولى رئاسة المجتمع ، كالملك أو رئيس القبيلة أو المرجع الديني أو رئيس الجمهورية وأضرابهم ، في حين لا يفتي أحد بذلك إجماعاً .
ونماذج المتدينين الذين أصبحوا في مثل هذه المناصب موجودة - ولو قليلًا - على مدى التاريخ . ولم ينقل عنهم أنهم التزموا بالزهد الواجب .
وهذا معناه أن الفقهاء فهموا فعلًا من الشريعة عدم وجوب الزهد على مثل هذه المناصب . إذن فالأمر يكون شاملًا حتى لأمير المؤمنين ( ع ) ، يعني أن الزهد لم يكن واجباً عليه بهذه الصفة كما زعم المستشكل .
الإشكال الثالث : إن الموارد في الجزيرة العربية في صدر الإسلام كانت ضعيفة والزراعة والصناعة والتجارة قليلة ومتدنية . ومن هنا كان الناس يكتفون بالقليل من المأكل والملبس والمسكن ، لأنهم لم يكونوا يستطيعون أكثر من ذلك . وكان مسلك الزهد مبنياً على ذلك . يعني كونه تجاوباً مع الظروف المعيشية . وإلّا لو كان الأمر مختلفاً لما كان زهد الزاهدين موجوداً .
ويدل على ضعف الموارد ما ورد عن عائشة : إننا ما شبعنا من التمر حتى فتح الله خبير . وفي الرواية عن بعض الأئمة المتأخرين عن تلك الحقبة ، حين يسأل عن حسن لباسه مع تقشف أمير المؤمنين ( ع ) فيجيب بما مضمونه : أنه كانت الظروف الاقتصادية صعبة . وأما اليوم فقد أرسلت السماء عزاليها . يعني أمطرت وأنتجت زراعة كافية . إذن فلا حاجة إلى الزهد .
أقول : أما ما أشرنا إليه من ترك الزهد في العصر المتأخر عن صدر
فقه الأخلاق — صفحة 275
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٧٥