ومن ثم كانت الفلاسفة تدع أطفالها وما تلعب به من الصناعات ، فيأمرونه بتعليمها فينتج فيها قطعاً ؛ ولذلك قال الشيخ : إن الهذيان والضجر في الأمراض الحادة علامة رديئة لمن كان سكيتاً عاقلًا . فاعرف ذلك .
الرابع : في بيان اختلاف الناس فيه وفي قدر ما يؤخذ منه .
اعلم أن الشراب كله كريه الطعم في المباديء وإن كان حلواً ، فإذا ارتفعت ابخرته وخالط المزاج أضعف قوة الذوق ، فيشرب حينئذٍ من غير كراهة .
واما مقاديره فقال قوم يكفي الصفراوي رطل والدموي رطل ونصف والبلغمي ضعف الأول والسوداوي الثاني . وقال بختيشوع « 1 » : يكفي في الصيف مائة درهم وفي الخريف مائة وخمسون ، وضعف الأول شتاء ، ونصف الثاني ربيعاً . وقال : الرازي والمسيحي : حدّ الشرب اختلاط العقل . وقال : الشيخ وكثير من اليونانيين لا تقدير للشراب بالوزن ، وانما الأصل السن أوله للطفل ووسطه للشبان ودع الشيخ وما احتمل . وقال كسرى : انفعه المكروه واضره المحبوب ، والمعنى ما دمت تكره شربه فإن المزاج يحتمل وبالعكس .
وكل ذلك عندي غير مضبوط ؛ لتفاوت الناس في المزاج والسن والبلاد وقوة الدماغ والذوق ونحوها ، وانما ميزان الشراب العقل فما دام داركاً حاضر القوى صحيح التصور حافظاً للنسبة في التصديق ، فالشراب لم يفرط . واختلاف العقول معلوم . وأيضا من كان به ضعف في الصدر وآلات النفس لم يحتمل ما يحتمله الصحيح ، ولا الممتلئ ما يحتمله الخالي ، إلى غير ذلك من الطوارئ .
الخامس : في تدارك الضرر وكيفية الاصلاح .
من اضطر إلى الشرب قبل هضم الاكل ، فليستعمل القي ثم يتغرغر ويغسل وجهه بالماء والخل ثم يشرب . ومن فسد الشراب في معدته فيتجشأ كالدخان أو وجد غثياناً أو عاجله الصداع فإنه محرور ، فليقدم على
هامش
( 1 ) بختيشوع بن حنا : كان عالماً بصناعة الطب ، مات في يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ببغداد . ( عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، ص 255 ) . )