وهكذا الكيفيات الثلاث أيضاً في العقل والقوة ، وكلها قد تزيد إن ناسبت وتنقص إن ضادت ، فلها مع البدن بهذا الحكم خمس حالات :
الأولى : انه إن ورد على البدن المعتدل لا يغير مطلقاً ، وهذا هو المعتدل مثل الاسفاناخ « 1 » ، أو يغير ، لكن لم يظهر للحس اصلًا ، ويسمى هذا في « الدرجة الأولى » من أي كيفية كان ، أو غيره مخرجاً عن الحس ظاهراً له ، لكن لم يضر فعلًا وهذه « الدرجة الثانية » ، وغالب الأغذية من هذين ، أو أضرّ ، لكن لم يبلغ أن يهلك ، وهذا في « الثالثة » ، وغالب الأدوية منه ، أو أهلك ففي « الرابعة » ، وغالب السموم منه .
واعلم أن مرادهم بالمعتدل ، عند الاطلاق ما تساوت فيه الكيفيات كلها ، وقد يكون المعتدل اثنتين منها . وما في الدرجة الأولى في الحرارة مثلًا ، هو أن يكون من جزئين حارين وجزء بارد ، فإذا قابلت البارد بمثله سقط وبقي جزء ، فقيل بهذا الاعتبار انه في الأولى ، وكذا الكلام في المراتب الباقية ، وتنحصر في خمس عشرة غير المذكورة ، هذا كله تقريرهم .
وفيه اشكالات :
الأول : أن البدن المعتدل قد تقدم امتناع وجوده ، فلا سبيل إلى معرفة هذه القوى ؛ لأنه هو الطريق إليها . ويمكن الجواب عن هذا : بأن المراد بالمعتدل على اصطلاحهم فإن عم عم أوليس فليس ، وفيه ما فيه .
الثاني : إن المستعمل من الدواء عند الامتحان لم يبينوا مقداره ، فإن كان درهماً مثلًا ، كان اللازم من تضعيفه ارتقاء الدواء عن هذه الدرجة وبالعكس ، فيكون الدواء الواحد في درجات متعددة باعتبار الكم ، وإن لم يلزم ذلك لزم تساوي الدرهم والقنطار ، والكل محال . وقد لمح الفاضل أبو الفرج بذكر هذا البحث متنكباً عن جوابه .
وأقول : إن الجواب عنه مأخوذ من المقادير التي في المفردات ، وهو غير كافٍ .
والأولى أن يقال :
هامش
( 1 ) الإسْفَاناخ : معرَّب عن فارسية هو ( ( اسباناخ ) ) ، وباليونانية ( ( سرماخيوس ) ) . بقل معروف يُستنبت ، وقبل : ينبت بنفسه ، ولم نرَ ذلك . وأجوده الضارب إلى السواد لشدّة خضرته ، المقطوف ليومه . وكثيراً ما يوجد بالخريف . ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 107 ) . )