القول في تشريح الباطن وذكر ما أودع الحكيم فيه من آلات الهواء والغذاء ودقائق تأليف ذلك
اعلم أن الحيوان لا بقاء له بدون ما يتأداه من الهواء والغذاء والشراب ؛ ليعدل بالأول ما لولاه لاحترق به من الحرارة ، ويخلف بالثاني ما تحلله الحركة ونحوها من أجزاء بدنه ، ويوصل بالثالث الغذاء إلى غايته .
فان قيل : نجد من الحيوان ما يعيش العمر الطويل بغير الماء ، كالظباء السندية والنعام الوحشي ، فلو كان ضرورياً لما جاز ذلك .
قلنا لا شبهة في أن غاية الماء ما ذكرناه كما سيأتي فإذا جاز الايصال والتفريق بغيره لعارض جاز الاستغناء عنه ، ولا شك أن الظباء المذكورة لا تغتذي بغير النبات السريع التحلل فيكفي فيه حركتها والهواء . واما النعام فحرارتها الغريزية شديدة الاشتعال لا تبقي ما يتكثف ، ولما كانت عناية الحكيم تعالى وتقدس مصروفة إلى بقائه مدة ينقضي فيها ما خلق له ، لا جرم ركب في باطنه أعضاء قائمة بها قوى إلهية بها يتصرف فيما هي له .
%
وأول هذه الآلات فضاء الفم :
حصنه بالشفتين المشتملتين على انطباق وانفتاح وحركة محكمة وجعله حساساً ملساً يشعر بالمنافي فيلقبه ولا يمسك الطعام في اجزائه فيتغير ، وقدره في كل حيوان بحسبه كعظمه في عظيم الجثة ليقدر على أخذ ما يقوم به ؛ فلذلك أماط عنه الأسنان في الطير ؛ لئلا تكون عائقة له عن اختراق الهواء وعوضه المخالب الخفيفة وطول العنق الموجب لقوة الطيران وزينه في غيره بها ؛ لتكون عوناً على سحق الأجسام الصلبة التي لو وصلت بدونه لاوجبت فساد الآلات ، وباللسان للادارة والازدراد ، وأوصل غشاءه بغشاء المريء مملوساً ؛ لتزلق الطعام وغطى مسلك الهواء عند البلع ؛ لئلا يسقط فيه من الطعام والشراب شيء فيهلك الحيوان ، وجعل مجرى الهواء صلباً ؛ لأنه لطيف لا يزدحم ومجرى