مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم ( والعاقبة للمتقين ، ربّ يسّر يا كريم ، يا رب العالمين ) « 1 » ( قال الحسن بن هبة الله بن الحسين الطبيب ) « 2 » إن ( أول ) « 3 » ما نطق به اللسان وثبّت ( به ) برهانه في الجّنان ، الحمد لمدبّر الأزمان الذي أوجد المخلوقات بقدرته وفضّل الإنسان على جميعها بحكمته ، وجعله ( عالما ) « 4 » متوسّطا بين الأزليّ والكونيّ بمادته وصورته ، وألهمه دفع المضارّ عن ذاته بجهده وطاقته ، وجعل له الحواسّ الخمس ( منارات ) « 5 » لهدايته ، ( وفضّله ) « 6 » بالعقل الذي خصّه به لعنايته ورحمته ، فسبحان الذي اختلفت ( الحكما ) « 7 » في وصف ذاته ( وأبنيته ) « 8 » ( وأسمائه وصفته ، واتّفقت في وجوده وقدرته وتنزيهه عن مشابهة خلقه ) « 1 » ، أحمده على سبوغ نعمته حمد معترف بفضله ورأفته . وبعد فالرغبة إلى الله تعالى ( في إدامة أيام من خصّه من خلقه بتدبير الأمم ) « 9 » ومحبة العلوم والحكم ، سيدنا ومولانا ( الإمام المقتدي ) « 10 » بأمر الله ، أمير المؤمنين ( أطال الله تعالى في العزّ الدائم بقاءه ) « 11 » ، وأدام على الخليقة ظلّه ونعماه ، وكبت ( بالذّلّ ) « 12 » حسدته وأعداه ، الذي نشر الفضائل بعد طيّها ، وأظهر العلوم بعد دثورها ، وجلّا الحكمة ( لأهلها بمحبّته ) « 13 » لأربابها . ( فلما ) « 14 » رأى العبد الخادم أيامه ( الطاهرة ) « 1 » الزاهرة ( ومناقبه الباهرة ) « 15 » أحبّ أن يصنف له كتابا طبيّا مختصرا ( مغنيا ) « 12 » في معرفة الأمراض وأسبابها وعلاماتها ومداواتها ، لإضطرار الناس إلى وجود الصحة واعتمادهم ( طلبتها ) « 16 » ، فلذلك قالت الحكما : إن المطالب ( المستفادة ) « 1 » نوعان ( خير ولذّة وهذان الشيئآن لا يتمّ للإنسان الوصول إليهما إلا بالصحة ، لأن اللذة المستفادة ) « 12 » من هذه الدنيا ، والخير المرجوّ ( في ) « 17 » الآخرة لا يصل الواصل إليهما إلا بالصحة ، وصحّة البدن إنما تتم بالصناعة الطّبيّة ، ولهذا السبب صارت أشرف الصنائع قدرا وأجلّها خطرا ، لأنها حافظة للصحة الموجودة ورادّة للصحة المفقودة . إلا أن الطريق المؤدي إلى علمها لمّا كان طويلا ( والعنا اللّاحق لأربابها ) « 18 » شديدا عظيما ، ( والشاهد ) « 19 » بذلك بقراط الحكيم ، فإنه قال : « العمر قصير والصناعة طويلة والوقت ضيّق والتجربة خطر والقضا عسر » ، وأشار بذلك إلى أن عمر الإنسان وإن طال فإنه يقصر عن استيفاء ( ما ) « 12 » الصناعة الطبيّة مفتقرة إليه ، لأن الطبيب مفتقر إلى تحصيل القوانين العلمية وإلى تجربة ما يحصّله وامتحانه بالعمل . ( ولهذه العلّة ) « 12 » تفنّنت الأحوال وتنوّعت الأعمال فيها فلم ( يف بها ) « 20 » الواحد ؛ ولهذا السبب دعت ( الفضلاء ) « 12 » الحاجة إلى تدوين الصنائع ليكون