ومما ينخرط في هذا السلك أيضا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة ، كقوله تعالى :
وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة ، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم ، لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه ، وقد وضع قوله :
وما لي لا أعبد الذي فطرني
مكان قوله : وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ، ألا ترى إلى قوله :
وإليه ترجعون
ولولا أنه قصد ذلك لقال : الذي فطرني وإليه أرجع ، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال :
إني آمنت بربكم فاسمعون
فانظر أيها المتأمل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمر عليها في آيات القرآن الكريم وأنت تظن أنك فهمت فحواها واستنبطت رموزها .
وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد ، كقوله تعالى : حم . والكتاب المبين . إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين . فيها يفرق كل أمر حكيم . أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين . رحمة من ربك إنه هو السميع العليم والفائدة هاهنا في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد تخصيص النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالذكر ، والإشارة بأن إنزال الكتاب إنما هو إليه ، وإن لم يكن ذلك صريحا ، لكن مفهوم الكلام يدلّ عليه .
وإذا تأملت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه من هذا وأمثاله أشياء كثيرة ، وإنما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها .
وقد ورد في فصيح الشعر شيء من ذلك ، كقول أبي تمام « 1 » :
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي ، وأولها قوله :على مثلها من أربع وملاعب * تذال مصونات الدّموع السّواكبوقد تقدم لها في هذا الكتاب ذكر ، فانظر ( ج 1 ) .