النوع الثاني عشر في قوة اللفظ لقوة المعنى
هذا النوع قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب « الخصائص » ، إلا أنه لم يورده كما أوردته أنا ، ولا نبّه على ما نبهت عليه من النكت التي تضمنته ، وهذا يظهر بالوقوف على كلامي . وكلامه ، فأقول :
اعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أكثر منه فلا بدّ من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أوّلا ؛ لأن الألفاظ أدلّة على المعاني ، وأمثلة للإبانة عنها ، فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني ، وهذا لا نزاع فيه ، لبيانه ، وهذا النوع لا يستعمل إلا في مقام المبالغة .
فمن ذلك قولهم : خشن واخشوشن ، فمعنى خشن دون معنى اخشوشن ؛ لما فيه من تكرير العين وزيادة الواو نحو فعل وافعوعل ، وكذلك قولهم : أعشب المكان ، فإذا رأوا كثرة العشب قالوا : اعشوشب .
ومما ينتظم بهذا السلك قدر واقتدر ، فمعنى اقتدر أقوى من معنى قدر قال اللّه تعالى :
فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر
فمقتدر هاهنا أبلغ من قادر ، وإنما عدل إليه للدلالة على تفخيم الأمر وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن قوّة الغضب ، أو للدلالة على بسطة القدرة ، فإن المقتدر أبلغ في البسطة من القادر ، وذاك أن مقتدرا اسم فاعل من اقتدر ، وقادر اسم فاعل من قدر ، ولا شك أن افتعل أبلغ من فعل .
على هذا ورد قول أبي نواس :
فعفوت عنّي عفو مقتدر * حلّت له نقم فألفاها
أي : عفوت عني عفو قادر متمكن القدرة لا يردّه شيء عن إمضاء قدرته ؛ وأمثال هذا كثيرة .