ألم تر تغليس الرّبيع المبكّر « 1 »
ولو أخذت في تعداد قصائد الشعراء في الأغراض التي أشار إليها وخصّ بها الكاتب لأطلت وذكرت الكثير الذي يحتاج إلى أوراق كثيرة ، وكل هذه الفروق التي نصّ عليها وعدّدها فليست بشيء ، ولا فرق بين الكتابة والشعر فيها .
والذي عندي في الفرق بينهما هو من ثلاثة أوجه :
الأول : من جهة نظم أحدهما ونثر الآخر ، وهذا فرق ظاهر .
الثاني : أن من الألفاظ ما يعاب استعماله نثرا ، ولا يعاب نظما ، وذلك شيء استخرجته ، ونبهت عليه في القسم الأول المختص باللفظة المفردة في المقالة الأولى من هذا الكتاب « 2 » ، وسأعيد هاهنا منه شيئا ؛ فأقول :
قد ورد في شعر أبي تمام قوله :
هي العرمس الوجناء وابن ملمّة * وجأش على ما يحدث الدّهر خافض
وكذلك ورد في شعر أبي الطيب المتنبي ، كقوله :
ومهمه جبته على قدمي * تعجز عنه العرامس الذّلل
فلفظة المهمة والعرامس لا يعاب استعمالها في الشعر ، ولو استعملا في كتاب أو خطبة كان استعمالها معيبا ، وكذلك ما يشاكلهما ويناسبهما من الألفاظ ؛ وكل ذلك قد ضبطته بضوابط وحددته بحدود تفصله من غيره من الألفاظ ؛ فليؤخذ من المقالة الأولى ، ولولا خوف التكرار لأعدته هاهنا .
الثالث : أن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك فإنه لا يجيد في الجميع ، ولا في الكثير منه ، بل يجيد في جزء قليل ، والكثير من ذلك
هامش
( 1 ) هذا صدر المطلع ، وعجزه قوله :وما حاك من وشي الرّياض المنشّر( 2 ) انظر الجزء الأول من هذا الكتاب وفيه هذان البيتان أيضا .