وقد ورد هذا في القرآن الكريم ، كقوله تعالى :
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
والفرق بين قوله
ليس كمثله شيء
وبين قوله ليس كاللّه شيء هو ما أشرت إليه ، وإن كان اللّه سبحانه وتعالى لا مثل له حتى يكون لمثله مثل ، وإنما ذكر ذلك على طريق المجاز قصدا للمبالغة .
وقد يأتي هذا الموضع بغير لفظة مثل وهي مقصودة ، كقولك للعربي : العرب لا تخفر الذّمم : أي أنت لا تخفر الذمم ، وهذا أبلغ من قولك : أنت لا تخفر الذمم ، وهذا أبلغ من قولك : أنت لا تخفر الذمم ؛ لما أشرت إليه .
وعلى نحو من هذا جاء قول أبي الطيب المتنبي « 1 » :
ألست من القوم الّذي من رماحهم * نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل « 2 »
وإذا فرغت من ذكر الأصول التي قدمت ذكرها فإني أتبعها بضرب الأمثلة نثرا ونظما ، حتى يزداد ما ذكرته وضوحا .
هامش
( 1 ) البيت من قصيدة له يرثي فيها أبا الهيجاء عبد اللّه بن سيف الدولة ، وأولها قوله :بنا منك فوق الرّمل ما بك في الرّمل * وهذا الّذي يضني كذاك الّذي يبلي( 2 ) « من القوم الذي » حذف النون من الذين ، كما حذفها الأشهب بن رميلة في قوله :وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالدوكما حذفها أمية بن الأسكر الكناني في قوله :قومي الّذو بعكّاظ طيّروا شررا * من روس قومك ضربا بالمصاقيلوكما حذفها عمرو بن كلثوم التغلبي في قوله :أبني كليب إنّ عمّيّ اللذا * قتلا الملوك وفكّكا الأغلالاوالتلعب بالاسم الموصول في العربية كثير ؛ لأنهم يستكثرون ثلاثة أشياء تدل على شيء واحد ، وهي الموصول والصلة والعائد ، فلما استطالوا هذه الأشياء مع أنها لا تكون جملة مستقلة استهانوا بها واستساغوا الحذف فيها ؛ فأحيانا يحذفون من الموصول ، وأحيانا يحذفون الموصول برمته ، وأحيانا يحذفون الصلة ، وأحيانا يحذفون العائد ، وهذا كله كثير الشواهد في العربية ولولا أن يكون في الإتيان بها إطالة عليك ، مع أن هذا الكتاب ليس مختصا بمثل هذه المباحث ، لجئتك بالكثير من شواهد هذه الحذوف .