وعلى هذا ورد قول تأبّط شرّا « 1 » :
بأنّي قد لقيت الغول تهوي * بسهب كالصّحيفة صحصحان « 2 »
فأضربها بلا دهش فخرّت * صريعا لليدين وللجران « 3 »
فإنه قصد أن يصوّر لقومه الحال التي تشجّع فيها على ضرب الغول ، كأنه يبصرهم إياها مشاهدة ، للتعجب من جراءته على ذلك الهول ، ولو قال فضربتها عطفا على الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة .
فإن قيل : إن الفعل الماضي أيضا يتخيّل منه السامع ما يتخيله من المستقبل قلت في الجواب : إن التخيل يقع في الفعلين معا ، لكنه في أحدهما - وهو المستقبل - أوكد وأشد تخيلا ؛ لأنه يستحضر صورة الفعل حتى كأن السامع ينظر إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه ، ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا « فأضربها » تخيل السامع أنه مباشر للفعل ، وأنه قائم بإزاء الغول ، وقد رفع سيفه ليضربها ، وهذا لا يوجد في الفعل الماضي ؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلا قد مضى من غير إحضار للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه ، وهذا لا خلاف فيه ، وهكذا
هامش
( 1 ) من كلمة له رواها غير واحد من حملة الشعر ، منهم أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني ( 18 - 210 بولاق ) وأول هذه الكلمة قوله :ألا من مبلغ فتيان فهم * بما لاقيت عند رحى بطان( 2 ) وقع في ب ، ج « بشهب كالصحيفة » وهو تحريف ، وتصويبه عن الأغاني في الموضع السابق ذكره ، والسهب - بفتح فسكون - الأرض المستوية ، وجمعه سهوب ، ولذلك شبهه بالصحيفة ، والصحصحان ومثله الصحصح : الأرض الواسعة المستوية .
( 3 ) روى أبو الفرج وغيره بين هذين البيتين بيتين آخرين ، وهما قوله :فقلت لها : كلانا نضو اين * أخو سفر ، فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي فأهوى * لها كفّي بمصقول يمانوبعد ذلك البيت الثاني الذي ذكره المؤلف .