قال أبو عبيد : فهذه وجوه ثلاثة من التّأويل ، ولعلّ الآية قد جمعتها كلّها ، إلا أنّ الذي يدلّ عليه المعنى قول ابن عبّاس ، ألا تسمع قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا
، فهذا بيّن واضح أنّ الهجرة هي التي فرّقت بين الحكمين ، وتصدّقه آية أخرى قوله
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى
.
584 - ثنا عبيد اللّه بن موسى ، أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبيد بن عمير ، قال : الكبائر سبع ، فذكرها وقرأ بها قرانا ، وذكر فيها : والتّعرّب بعد الهجرة ، ثمّ قرأ :
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى
[ محمد : 25 ] .
قال أبو عبيد : فإذا كان ترك الهجرة يقطع الولاية ممّن هاجر ، ويحرم الوارث ميراثه ، فهم من المشاركة في الفيء أبعد ، فكان ذلك حتّى نسخه اللّه بقوله تعالى
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ
فلمّا رجعت المواريث إلى مواضعها ، علم أنّ ذلك لم يكن إلا بالولاية التي صارت بينهم ، فعاد المسلمون كلّهم إخوة أولياء كما قال اللّه :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
، وكما قال :
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
[ التوبة : 71 ] ، فاستوت أحكامهم ووجب لهم جميعا ما وجب للمسلمين ، وعليهم من الأسوة والفيء وغيره ، إلا أنّ وذوي الغناء لأهل الحاضرة عن الإسلام ، الفضل بقدر غنائهم وجزئهم عن الإسلام ، وسيأتي ذلك في مواضعه إنّ شاء اللّه ، وممّا يبيّن ذلك ذلك أنّه قد لحق آخر المسلمين بأوّلهم ، وأنّ الهجرة قد نسخت ، قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد فتح مكّة " لا هجرة بعد الفتح " وفي ذلك آثار كثيرة .
585 - أنا محمّد بن يوسف ، أنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونيّة ، وإذا استنفرتم فانفروا " .
586 - أنا أبو جعفر النّفيليّ ، أنا زهير ، أنا عاصم الأحول ، عن أبي عثمان ، حدّثني مجاشع ، قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأخي بعد الفتح ،