كعرض السماوات والأرض بلا مزاحمة شريك وسهيم .
الخامسة
إنّ الاقتدار على إبداع الصور في الآخرة إنّما يكون لكلّ إنسان على حسب حاله ومقتضى مرتبته ودرجته ، وبقدر رتبة ما اكتسب من الأخلاق والملكات على اختلاف أنواعها وفنونها ، حسب ما حصّله بما اعتاده في الدنيا وتمرّن عليه من العلوم والأعمال ، وما غلب عليه من العقائد والأفكار ، على ما عرفته في المقدّمة الأولى .
وذلك كما أنّه في الدنيا أيضاً كذلك فإنّ من البواطن والصدور في الدنيا ما ينزَل فيه لزيارته كلّ يوم ألوف من الملائكة ، لغاية صفائه وتفكّره في آلاء الله ونعمائه ومعرفته ومعرفة مقرّبيه والدار الآخرة وما يجرى هذا المجرى ، ومنها ما هو مرتع للشياطين لما يقع فيه كلّ يوم ألف وسواس وكذب وفحش وخصومة ومجادلة بين الناس .
كما قال الله ( عز وجل ) : «
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ
» ( « 1 » ) ، وفى مقابله «
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
» ( « 2 » ) .
فمن كان معلوماته في الدنيا أموراً قدسيةً وأعماله باقيات صالحات وتمرّن الأفكار العقلية واستكمل بإدراك المعقولات المحضة واليقينيات الحقيقية وغلب عليه أمثال ذلك وصار إنساناً عقلياً ، فيحشر في الآخرة في النّشأة العقلية في علّيين مع الملائكة المقرّبين
هامش
( 1 ) - فصّلت : 30 .
( 2 ) - الزخرف : 36 .