هذا كله ورام أن يشكك فيه نفسه أمكنه الشك : كقولهم إن العدل جميل ، وإن الظلم قبيح ، وإن شكر المنعم واجب . فإن هذه مشهورات مقبولة ، وإن كانت صادقة فصدقها ليس مما يتبين بفطرة العقل المنزل « 1 » المنزلة المذكورة ، بل المشهورات هذه وأمثالها منها ما هو صادق ولكن يحتاج في أن يصير يقينا إلى حجة « 2 » ، ومنها ما هو صادق بشرط دقيق لا يفطن له الجمهور .
ولا يبعد أن يكون في المشهورات كاذب . والسبب في اعتقاد المشهورات أخذ ما تقدمنا بالاحتراز عنه عند تمثيلها في الذهن للامتحان . وهذه هي المشهورات المطلقة .
وأما التي « 3 » تستند إلى طائفة فمثل ما يستند إلى أمة وإلى أرباب صناعة وتسمى مشهورات محدودة ، ومثل ما يستند إلى واحد أو اثنين أو عدد محصور يوثق به ويخص باسم المقبولات .
واعلم أن جميع الأوليات أيضا مشهورة ولا ينعكس ، كما أن جميع المصدق بها متخيل ومحرك للخيال ولا ينعكس . وأما المصدق بها على سبيل تسليم غلط فهو أن يسلم المسلم شيئا على أنه أمر آخر لمشابهته إياه ومشاركته في لفظ أو معنى على ما سنبين في موضعه ، وهي المقدمات المشبهة ، كمن يقول " كل عين باصرة " ويكون ذلك مسلما له من حيث يفهم منه أحد معاني الاسم المشترك ، ويأخذ بدله آخر فيحسبه أنه المسلم ، أو يقصد به مغالطة حتى يقع في أن يظن بنفسه أو يظن غيره أن الدينار يبصر « 4 » . وكذلك من يسلم أن كل مسكر خمر وأخذ بدله ما يسكر بالقوة .
وهذه هي المقدمات المشبهة .
فأما المظنونات فهي التي تظن ظنا من غير وقوع اعتقاد جزم : وذلك « 5 » إما لمشابهتها للأمور المشهورة فتكون مشهورة في بادئ الرأي الغير المتعقب « 6 » ، فإذا تعقبت علم أنها غير مشهورة مثل قولهم " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " فإن هذا يظن كما يقرع السمع ظنا ويمال إليه ميلا :
ثم إذا تعقب كان المشهور أنه لا يجوز أن ينصر الظالم أخا كان أو ولدا ، لكنه في الحال يفعل فعله إلى أن يتعقب . وإما أن يقع بها الظن على سبيل القبول من ثقة : وإما أن يقع
هامش
( 1 ) م والمنزل .
( 2 ) من " صادق " إلى حجة ساقط في م .
( 3 ) س الذي يستند .
( 4 ) وذلك لأن الدينار من ذهب وهم يطلقون عليه اسم " العين " من قبيل الاشتراك اللفظي .
( 5 ) م ذلك .
( 6 ) أي الناظر في العواقب أو المفكر إطلاقا .