فما أخلق بالعاقل أن يتعجب من « 1 » عقول هؤلاء ! وأنت تعلم أن جميع المطالب في علم الهندسة والعدد تطلب عن أمور لازمة غير « 2 » مقومة بوجه ، فإنك لا تجد فيها قياسا يطلب عن محمول جنسي أو فصلي . والعجب من ذلك الأول « 3 » المتشبه به إذ « 4 » أنكر أن تكون العلة الفاعلة وسطا ، ثم إنه في الحال ضرب المثل بتوسط قيام الأرض في الوسط في إثبات الكسوف : وذلك في الحقيقة علة فاعلية للكسوف « 5 » وتؤخذ في حد الكسوف . والعفونة تؤخذ في حد صنف من الحميات . وكثير من الأسباب « 6 » الفاعلية والغائية تؤخذ في الحدود والبراهين كما يأتيك بيانه من بعد .
والعجب الآخر أن المثال الذي أورده هو قيام الأرض في الوسط : وذلك علة لانمحاق الضوء مقومة له ، لا متقومة به ، وعارض خاصي للقمر الذي هو الحد الأصغر ، لا مقوم له . ومما يغرهم ما يقال من أمر الحد وأنه مناسب للبرهان ، فيحسبون أن كل برهان ينحل إلى الحد ، وإذا انحل إلى الحد كان المطلوب هو الحد الأوسط أو « 7 » الأصغر وليس كذلك . إن كان فإنما يكون ذلك بين الأوسط والأكبر . وإن القائس القائل إن القمر تقوم الأرض بينه وبين الشمس : وما قامت الأرض بينه وبين الشمس أورثته ظلمة بالستر ، لم يكن الوسط فيه حدا للقمر ولا جزء حد ، ولا الأكبر « 8 » حدا للأوسط « 9 » بمعنى المقوم ، ولا جزء حد له ، لكنه معلول له . بل الأوسط « 10 » والأكبر كل واحد منهما أو مجموعهما - كما ستعلم - حد للمطلوب الذي هو الكسوف ، وهو عرض ذاتي من الأعراض التي للقمر ، وليس شيئا مقوما له حتى يكون ذاتيا بالمعنى الذي عندهم .
وهذا الطغيان إنما يعرض لهم من سببين : أحدهما بسبب « 11 » ما جرت به العادة من استعمال لفظة الذاتي في " كتاب إيساغوجي " . ولم يعلموا أنه لا الذاتي ولا الضروري ولا الكلي في هذا الكتاب هو ما قيل في كتاب قبله . والثاني تفخيم أمر البرهان إذ « 12 » جعلوه من الذاتيات المقومة ، إذ كان الذاتي المقوم يتخيل « 13 » عندهم أنه أشرف ، والبرهان أيضا بالحقيقة هو أشرف . فيتوهمون أنه
هامش
( 1 ) س ساقطة .
( 2 ) س ليست .
( 3 ) الظاهر أن الأول صفة للعجب بدليل قوله بعد ذلك والعجب الآخر .
( 4 ) س إذا .
( 5 ) س الكسوف .
( 6 ) س الأفعال .
( 7 ) أو ساقطة في س .
( 8 ) س ولا كان الأكبر .
( 9 ) م ساقط .
( 10 ) م ساقط .
( 11 ) س لسبب .
( 12 ) م ، ب إذا .
( 13 ) س يخيل .