حاولت بدوري أن أبرز خصائص كتاب البرهان التي ينفرد بها ، والتي قد يشاركه فيها بعض أجزاء منطق الشفاء الأخرى التي لا يزال يشتغل الزملاء بإعدادها للنشر . وقد قصرت القول في هذه المقدمة على الموضوعات الآتية :
( 1 ) أهمية الكتاب ومنزلته من كتب ابن سينا الأخرى .
( 2 ) مادته وصلته ببرهان أرسطو .
( 3 ) منهجه في التأليف وقيمته .
( 4 ) أسلوبه .
( 5 ) نظامه .
( 6 ) مخطوطاته واختيار النص المنشور .
( 7 ) تحليل مادة الكتاب ، وبيان الصلة بينها وبين كتاب أرسطو . وهو موضوع البحث في النصف الثاني من هذه المقدمة .
1 - أهمية كتاب البرهان ومنزلته من كتب منطق الشفاء :
ليس من شك في أن كتاب البرهان - وهو الجزء الخامس من منطق ابن سينا ، والرابع من منطق أرسطو - هو أهم جزء من أجزاء المنطق على الإطلاق ، بل هو منها بمنزلة القمة من هرم المنطق الضخم المعقد البناء ، أو بمنزلة الثمرة من الشجرة المتشعبة الفروع المتشابكة الأغصان ، لأنه يعالج المنهج الذي يسترشد به العقل الإنسانى في محاولة الوصول إلى أرقى درجة من درجات المعرفة الإنسانية ، بل أرقى نوع من أنواعها - أعنى العلم اليقيني الدائم فيما يزعم الفلاسفة . فلا غرابة أن يصله ابن سينا كما وصله أرسطو من قبل بكثير من أمهات مباحث الفلسفة الأنطولوجية والأبستمولوجية من جهة ، وبكثير من مباحث الألفاظ والقضايا والقياس التي عرض لها ابن سينا في الكتب الأربعة السابقة على البرهان من جهة أخرى .
وليس من شك أيضا في أن كتاب البرهان أعقد كتب المنطق وأصعبها فهما على الإطلاق ، وهي صعوبة نلمسها في كتاب ابن سينا كما نلمسها في كتاب أرسطو ، على الرغم من المجهود المضنى الذي بذله الأول في إيضاح وتبسيط ما استغلق من معاني الثاني .