ولما فصل أيدكو عن تيمور ، استدرك فارطه ، وعلم أن أيدكو خلبه عقله وغالطه ، فأنفذ إليه قاصدا ، أن يكون إليه عائدا ، لأمر قد سنح ، ورأي قد جنح ، فلما قدم القاصد عليه ، وبلغ ما أرسل به إليه ، قال له وللأمير الذي معه ، وقد نهى كلا منهما أن يتبعه ، إقضيا مآربكما ، والحقا صاحبكما ، وقبلا يديه وأبلغاه ، أن أمد اجتماعنا هذا منتهاه ، وأني بريء منه إني أخاف الله ، ولم يمكنهما مخاشنته ، ولا وسعهما في تلك الضائقة الشديدة إلا ملاينته ، فودعاه وانصرفا ، وانحرفا وما وقفا .
ولما بلغ تيمور ذلك تضرر وتضرم ، وتبرح وتبرم ، وحرق عليه الإرم وتندم ، ولات حين مندم .
وكاد يقتل نفسه حنقا عليه ، وتجرع كاسات
يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ
« 1 » ، ولم يمكنه التقيد به ، فلم يتحرك له بحركة ، وتوجه إلى ممالكه ثم إلى سمرقند وتركه ، فكان هذا آخر أمره من دشت بركه ، حتى قيل إنه لم يخدع تيمور ويدهيه ، ويخلبه قولا وفعلا ويطفيه ، سوى أيدكو المار ذكره ، أقول وسوى قاضي القضاة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون المالكي الآتي حكايته وأمره .
تتمة قصة ما جرى في نواحي الشمال بين توقتاميش وأيدكو من الجدل والقتال إلى أن تغير أمر كل منهما وحال
ولما انفصل تيمور بما حصل ، واستقر في مملكته بعد ما وصل ، واتصل أيدكو بحاشيته ، وابتهج بصاغيته وغاشيته ، أخذ في التفتيش ، عن أمور توقتاميش ، وتحفظ منه وتحرز ، ولمناوأته انتصب وتجهز ، إذ لم يمكنه رتق ما فتقه ، ولا رقع ما خرقه ، وأيضا ما أمكنه الاستقلال بادعاء السلطنة ، إذ لو أمكن ذلك ، لإدعاه تيمور الذي ملك الممالك ، فنصب من جهته سلطانا ، وشيد في دار الملك خانا ، ودعا رؤوس الميسرة ووجوه قبائلها
هامش
( 1 ) - سورة الفرقان - الآية : 27