ذلك لا يعي ولا يفيق ، ويتردد ما بين الفردوس إلى رسمل « 1 » ونصيبين والموصل العتيق ، ثم أمر عساكره في جمادى الآخرة أن يمردوا « 2 » قاصدين ، ويقصدوا ماردين ، فسابقوا الطير ، ولا حقوا السير ، وجاوزوا بالنهار الأنهار ، وبالليل السيل ، فقطعوا فقار القفار ، قطع الهندي « 3 » ، وعملوا في تلك الجبال والقلاع بما قاله الكندي « 4 » وهو :
سموت إليها بعد ما نام أهلها * سمو حباب الماء حالا على حال « 5 »
فوصلوا إليها على غفلة ، واحتووا عليها من غير مهله ، وذلك يوم الثلاثاء ثاني عشره ، وقد سل الصبح حسام فجره ، وطار غراب الدجى عن وكره ، فصاروا سوار معصم تلك الأسوار ، وأحلوا الدمار هاتيك الديار ، فعموها رجفا ، وساموها خسفا ، وهدوها زحفا ، ودكوها وجفا ، وتعلقوا بأهداب أرجائها ، وتسلقوا بالسلالم من أرضها إلى سمائها ، وكان متسلقهم على الأسوار ، من القبلة رابية اليهود ، ومن الغرب التلول ، ومن الشرق المنشار ، فأخذوا المدينة عنوة وقهرا ، وملأوها فسقا وكفرا ، وترفع أهل المدينة إلى القلعة ، ولم يكره أحد سواهم علو المنزلة والرفعة ، واكوهدوا « 6 » ملتجئين إلى قوادمها وخوافيها ، وذب عنهم من القلعة بالسهام والمكاحل من كان فيها ، فقتلوا من ظفروا به ذكرا وأنثى ، صغيرا وكبيرا ، ولم يرتضوا بما فيها نهبا وبمن فيها أسيرا ، فجالد بعض الناس ، وأظهر لهم بعض الجلاده ، وأراد بتثبته لهم أن يضم الجهاد إلى الشهادة ، ولا زالت آيات القتال عليهم تتلى ، حتى امتلأت المدينة من الجرحى والقتلى ، واستمر ذلك من قبل طلوع الشمس ، إلى أن صار اليوم أمس ،
هامش
( 1 ) - الفردوس ورسمل : مواقع في ربض ماردين .
( 2 ) - أي يفسدوا ويخربوا من تمرد .
( 3 ) - الهندي هنا : السيف .
( 4 ) - الكندي : امرؤ القيس الشاعر .
( 5 ) - ديوان امرئ القيس - ط . دار صادر بيروت - ص 141 .
( 6 ) - اكوهدوا : من كهد بمعنى تعب .