تقاسي صروف الدهر فقرا وغربة * وبعدا عن الأوطان للقلب موهنا
وعيلة أطفال ضعاف كأنهم * جوازل « 1 » زغب أنهكتها يد الضنا
ففي مثل تلك الحال ما كنت ضائعا * وكنت بنفس فقرها واسع الغنى
إلى أن حباك الله فضلا ورفعة * وحزت فنونا من علوم لها سنا
فصرت عزيزا في البرايا مكرما * وطارا إلى الآفاق من صيتك الثنا
وقد سل فوق الرأس سيف مشيبه * وهل بعد هذا غير معترك الفنا
أتخشى ضياعا بعد ذاك وعيلة * فترهب من فقر وترغب في الدنا
فتبذل وجها طالما صنت ماءه * لك اللّه لا تفعل وكن متمكنا
وهل في الورى من يرتجى لملمة * وإن قيل من للمكرمات يقل أنا
فصن عن جميع الخلق نفسك واتكل * على الله مولى لم يزل بك محسنا
فما ثم ذو فضل بصدر منشرح ، فحط عنك واسترح ، فتضاعفت الحال تشتيتا ، وزاد الكبد تفتيتا ، وارتبكت في عزمين ، واشتبكت بين همين ، بين أن أسكت فأضيع أو أن أقول فلا يسمع ، فقدمت رجلا وأخرت أخرى ، واستنهضت جواد فكري كرا وفرا ، فقواني صدق النية ، فيما هممت ، وخلوص الطوية على ما عزمت ، وجمعت من بال متفرق ، وألفت من فكر متمزق ، من قضايا تيمور الطويلة العريضة نبذة ، وجبذت بكف الأفكار من قوس حكاياته جبذه ، نثلت في بيانها من بديع المعاني الجعبة ، وسللت وقد صرفت نحو مشرق النطق سنان الكلام عضبه ، وشحذت غربه ، فجاءت بحمد الله تعالى ظريفة المعاني كاملتها ، لطيفة المباني فاضلتها ، قلت في مرآة الأدب :
بألفاظ ألحاظ تشير إلى النهى * تعلّم فن السحر كيف يكون
حوت دقة الجزل ودقته ، ورياقة الغزل ورقته ، ولطافة الأدباء ،
هامش
( 1 ) - جوازل جمع جوزل وهو فرخ الحمام .