فتمنعت هذه الأماكن عليه ، ولم تسلم قيادها إليه ، فأقام يحاصرها ، وقعد يناقرها وينافرها ، فمن ذلك مغارة بابها في وسط جرف شاهق ، آمنة من البوائق ، سالمة من الطوارق ، وسقفها آمن من صواعق المجانق ، وذيلها أرفع من أن يتشبث به علائق المسالق ، مدخلها أخفى من ليلة القدر ، وعدم التوصل إليها أجلى من القمر ليلة البدر ، فأولع بمحاصرتها ، والتزم بمضاجرتها ، واستعمل من فكره مهندسه ، وجعل لا يقر من الأفكار والوسوسة ، ثم انتج راية المتين ، وفكره الرصين ، أن يرسل عليها عذابا من فوقها ، وأن يصطاد تلك الحمامة الصاعدة في الجو بأرجلها من طوقها .
فأمر أن يصنعوا له توابيت على هيئة الدبابات ، كأنهن شياطين النساء للرجل غلابات ، وأوثقهن بالسلاسل الحكيمة ، وأوسقهن بالرجال ذوي الشكيمة ، وأدلاهن من تلك القلاع ، وأهواهن من شواهق الجبال ، فتدلين في الهواء ، تدلية مبرم القضاء ، فملأن النفانف ، وأرجفن من الجبال والرجال الروانف ، وصار لسان حال تلك الصقور والشواهين ينادي كل من رآه :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ
« 1 » ، فحين وازوا باب تلك المغارة ، كبتوهم بالنبال السحاره ، وكفوهم بالمكاحل الطيارة ، وهاوشوهم بأنواع الأسلحة ، وناوشوهم بالأوهاق والكلاليب المفلطحة ، فلا زالت الجوارح في الهواء
صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ
« 2 » ، ويقبلن إلى ذلك الوكر حائمات عليه ولا يعرضن ، ينقرن أسرة أهله بمناقير المناقيب ، وينشبن فيهم مخاليب الكلاليب ، وبكره الناشز تمانعهم على الولوج ، وتستعين في مدافعتهم بمن فيها من العلوج ، فلم ينشب أحد من أولئك الجوارح ، أن أنشب في الباب كلوبه الجارح ، ثم استعضد الفتح واستنهض الظفر ، واعتمد على الله ، ومن دبابته إلى الوكر طفر « 3 » فاحتضنه ساعد المساعدة ، واكتنفه عضد المعاضدة ، وقبض
هامش
( 1 ) - سورة النحل - الآية : 79 .
( 2 ) - سورة الملك - الآية : 19 .
( 3 ) - طفر : قفز