من المنازع ، وصفت لي في هذه البلاد المشارع ، وظفرت بهذه الممالك وسلكت فيها الطرق والمسالك ، أعطيت القوس باريها ، وأنزلت الدار بانيها ، ورددت المياه إلى مجاريها ، وجعلتكم ملوك قراها وصياصيها ، ومدنها وضواحيها ، وقررت كل واحد منكم ، على قدر استحقاقه فيها ، وإن رأيتم أن لا تعينوا علينا ، وأمكنكم أن تنحازوا إلينا ، فاغتنموا فرصتكم ، وخذوا من انتهازها حصتكم ، فإنكم قريبون منا ، صورة ومعنى ، وأما الآن فكونوا بظاهركم مع ابن عثمان وبباطنكم معنا ، حتى إذا التقينا امتازوا ، وإلى عساكرنا إنحازوا .
ولا زال فحل كلامه ينزو على حجر حجرهم ولا يجفر « 1 » ، مزخرفا بتمويهات تزري فصاحتها بكلام الأسود بن يعفر « 2 » ، غائصا في در دور أفكارهم ليردها عن أن تتبع ابن عثمان وتقفر
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ
« 3 » حتى خلبهم بهذا المقال ، واستجثهم إلى معنى ما قال ، واستهواهم حب الرئاسة الذي طالما استرق أحرار الصديقين ، واستعبد كبار الأولياء والصالحين ، وكبكب في النار على الرؤوس رؤوس العلماء العاملين ، فوافقوه على الانخزال ، عند المواقفة للنزال .
ذكر ما صنعه ابن عثمان من الفكر الوبيل وتوجهه إلى ملاقاة تيمور بعسكره الثقيل
فأما ابن عثمان فإنه خاف منه الهجوم ، على بلاد الروم ، لأن الزروع كانت قد استحصدت ، وصدور الفواكه والثمار قد استنهدت ، وخضروات الأرض قد اسودت ، والرعايا في ظل الأمن والرفاهية قد امتدت ، فخشي ابن عثمان أن يصيب العباد منه ضرر ، أو يتطاير إلى
هامش
( 1 ) - جفور الفحل : فتوره وانقطاع مائه من كثرة الضراب . العين
( 2 ) - من مشاهير شعراء ما قبل الاسلام .
( 3 ) - سورة الحشر - الآية : 16 .