الحدثان ، الساكنة ما تحرك الملوان « 1 » ، وهو القرآن المجيد ، الذي
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
« 2 » وهذه منازله في الدنيا ، غير ما ادخر له في العقبي ، وبشره بقوله :
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
« 3 » مع أن الله تعالى أخذ ميثاق النبيين ، بالأيمان به وبنصره ، فلو أدركوه لم يسعهم إلا اتباعه وامتثال أمره ، فهو دعوة إبراهيم الخليل ، ومتوسل موسى وعلماء بني إسرائيل ، والمبشر بقدومه على لسان عيسى في الإنجيل ، وحامل لواء حمد ربه يوم لقائه ، فآدم ومن دونه تحت لوائه ، وهو صاحب الحوض المورود ، والمخاطب من ربه في موقف الشفاعة والمقام المحمود ، وبمعنى ما قلت مفوفا مقتبسا شعرا :
قل تسمع أشفع تشفع سل تنل تجد * تفويف « 4 » خلعة عز واقتبس نعمى
فانظر إلى هؤلاء السادة ، معادن الخير ، ومفاتيح السعادة ، هل رغبوا في الدنيا واعتمدوا عليها ، أو نظروا إلا بعين الاحتقار والاعتبار إليها ، أو هل كان نظرهم غير التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، وناهيك بالخلفاء الراشدين ، وأعظم بالعمرين ، اللذين كانا في هذه الأمة بمنزلة القمرين ، وهلم جرا بالخلفاء العادلين ، والملوك الكاملين والسلاطين الفاضلين ، الذين تولوا فرعوا حقوق الله تعالى في عباده ، وحموا عباد الله عن الظلم في بلاده ، وأسسوا قواعد الخير ، وساروا في نهج العدل والانصاف أحسن سير ، فمضوا على ذلك وبقيت آثارهم ، وأحيت بعد موتهم أيامهم أخبارهم ، فمضى على ذلك مثل الأولين ، وبقي لهم
لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
« 5 » إذ صنعوا بموجب ما سمعوا شعر :
هامش
( 1 ) - الملوان : الليل والنهار
( 2 ) - سورة فصلت - الآية : 42
( 3 ) - سورة الضحى - الآيتان : 4 - 5
( 4 ) - الثوب المفوف : الرقيق .
( 5 ) - سورة الشعراء - الآية : 84 .