الشيوخ ، لأنّ هؤلاء لم يعهدوا عالِماً يترفّع حتّى عن قبول الهدايا والهبات ، بل كان يتفقّد الفقراء والمعوزين ، وينفق عليهم .
2 - وهناك نموذجٌ آخر هو الشهيد الشيخ عبد الأمير محسن الساعدي ( رحمة الله ) الذي كان وكيلًا في إحدى مناطق محافظة ديالى ، وكان يشارك أهل المنطقة حتّى في زراعة حقولهم وجني الثمار من بساتينهم رغم إصرار أهل المنطقة على منعه من ذلك . ولمّا أنهى موسم التبليغ - وكان شهر رمضان - وأراد مغادرة المنطقة إلى النجف قدّم له الأهالي مبلغاً قدره مائة وخمسون ديناراً هديّةً ، فامتنع عن أخذها وقال لهم : « إنّ السيّد الصدر يتحمّل كافة نفقاتي ، وإنّ وظيفتي التبليغ والإرشاد ، وليس جمع المال » . وألحّ أهل المنطقة على دفع المال إليه ، فاضطرّ إلى أخذه ، ثم قدّمه هديّةً إلى الحسينيّة ، الأمر الذي أثار إعجابهم .
3 - وفي الوقت نفسه استطاع السيّد الصدر ( رحمة الله ) أن يحجّم معظم أولئك الذين استغلّوا فراغ المناطق من العلماء فنصّبوا أنفسهم علماء وتلبّسوا بزي علماء الدين ، وكان معظمهم يعمل لصالح السلطة ويسير في فلكها . والغريب - كما في المصدر - أنّ بعضهم استطاع الحصول على وكالات من مراجع كبار ما كان يُحتمل أن يصدر منهم ذلك .
ولقد وقف السيّد الصدر ( رحمة الله ) بوجه هؤلاء وقفة حازمة فحرّم الصلاة خلفهم ، أو التجاوب معهم في
أيّ نشاط دينيٍّ واجتماعي ، وكان هذا الإجراء يعتبر نوعاً من المواجهة مع السلطة ، لأنّها هي التي نصّبت معظمهم .
وكان أحد هؤلاء - وكان يسكن مدينة الثورة - قد أجبر المصلّين في أحد المساجد على تشكيل وفد برئاسته ليطلبوا له وكالة من السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، فلمّا حضر الوفد طلب الشيخ من السيّد الصدر ( رحمة الله ) توكيله ، وقال : « هؤلاء أهل المنطقة يرغبون بذلك » .
وهنا توجّه السيّد الصدر ( رحمة الله ) إليهم بالسؤال قائلًا : « هل ترغبون بتوكيل الشيخ ؟ » فقالوا : « كلّا » ، فغضب الشيخ غضباً شديداً لأنّه يعلم أنّ عدم منحه وكالة من قبل السيّد الصدر ( رحمة الله ) يعني إنهاء وجوده الديني والاجتماعي ، وكان بعض أعضاء الوفد قد أخبر السيّد الصدر ( رحمة الله ) قبل ذلك بأنّ الشيخ أجبرهم على تشكيل الوفد ، ولم يتمكّنوا من الامتناع لأنّه يعمل مع أجهزة الأمن . .
وتمكّن ) من تطهير تلك المساجد من أمثال هؤلاء ، واستبدل بهم الأكفّاء الصلحاء من خيرة شباب الحوزة العلميّة في النجف « 1 » .
4 - بعد سنة 1394 ه - اتّصل وكلاء الوقف في مدينة الحريّة الأولى في جنوب الكاظميّة بالسيّد حسين الصدر « 2 » وطلبوا منه وكيلًا من قبل السيّد الصدر ( رحمة الله ) .
هنا أرسل السيّد الصدر ( رحمة الله ) وراء الشيخ عفيف النابلسي وطرح عليه الأمر وطلب منه القبول بإمامة المؤمنين هناك وكيلًا عنه ، فأجابه : « أنا جنديٌّ ألتزم أوامر القيادة ، فأيُّ مكانٍ ترونه مناسباً أقبل ، وأنفّذ فوراً ولا رأي إلّا رأيكم » ، ففرح ) بهذا الالتزام ودعا له ، ثمّ حدّد موعد اللقاء بيوم الغدير ليكون ذلك
هامش
( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 292 : 1 - 295 ؛ وانظر : الإمام محمّد باقر الصدر . معايشة من قريب : 128
( 2 ) المقصود نجل السيّد إسماعيل الصدر ( رحمة الله ) على ما ذكرته لي أسرة السيّد الصدر ( رحمة الله ) .