بعد سقوط نظام البعث ، حيث التقى بأحد المراجع المعاصرين المقلَّدين هناك ، وبعد أن أكّد لي على تقوى الرجل العالي وورعه وطيبته و . . . ذكر لي أنّه بينما كان يبدي لوعته من الوضع الجديد الذي خيّم على العراق ، كان ذاك العالم يشكر الله تعالى لأنّ بيته موجود ، ودرسه قائم .
كما سمعتُ من أحد معارفي أنّه اعترض على أحد كبار المراجع المعاصرين في قم بأنّ أهالي المنطقة الفلانيّة يشكونه إلى الله تعالى لعدم إرساله العدد الذي يفي بحاجاتهم من المبلّغين ، فيجيبه متعجّباً بأنّه سبق وأن أرسل إليهم نسخاً من رسالته العمليّة ! !
فهذان نموذجان من اتّجاه نسلّم له بالتقوى والعدالة على المستوى الشخصي ، ومتى ما أمّوا الصلاة اقتدينا بهم ، ولكنّ كلامنا في ما يصطلح عليه السيّد الصدر ( ره ) ب - « العدالة الوظيفيّة » التي لا ملازمة - عنده ( ره ) - بينها وبين « العدالة الذاتيّة » .
وعلى الضفة المباينة يقف عددٌ من العلماء ذوي رؤى وآفاق مختلفة تماماً . وتعقيباً على المثال الأخير الذي سقناه ، نجد السيّد الصدر ( ره ) يكتب في إحدى رسائله الخطيّة : « إنّ المسألة - كما أظنّكم تعرفون بفهمكم الاجتماعي المعهود للأمور - [ ليست ] مسألة منشور يكتبه الإنسان في السرداب فيقرأه الآخر في السطح فيهتدي ، بل هي مسألة تفاعل وعلاقات وتأثير » « 1 » ؛ فبينما يعتبر الفهم الاجتماعي إحدى بديهيّات العمل وحاجاته عند السيّد الصدر ( ره ) ، قد لا يكون لهذه المقولة تعريفٌ واضحٌ في قاموس ذاك .
يقول السيّد محمّد حسين الطباطبائي ( ره ) ما ترجمته : « ألا يجب علينا في عالمٍ مثل عالمنا الذي نعيش فيه ، حيث تركّزت قدرات الاستقلال المادي المعنوي بيد خصومنا الألدّاء ، أن نبادر لنصرة حقائق هذا الدين ونسعى لإحياء كلمته ؟ أم يجب علينا أن نترك هذه الأمانة الإلهيّة الثمينة لعبةً تتقاذفها أفكار الخصوم وتلوكها ألسنتهم وتعبث بها أقلامهم ، لنجلس نحن في بيوتنا ونمضي الأيّام بحياتنا المعيشيّة بحجّة أنّ للدين صاحباً ! فالله عزّ اسمه هو حافظ هذا الدين ، والإمام صاحب الزمان ( عجّل الله فرجه ) صاحبه ! لذلك ليس علينا سوى أن نَكِلَ الأمانة ( الدين ) إلى الله وإلى الإمام صاحب الزمان ( عجّل الله فرجه ) ، ثمّ نتوجّه بالخطاب إلى ساحة الإمام المقدّسة ونقول :
[ فَاذْهَبْ ] أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
« 2 » ، ترى ما هو دخل حفظ الله للدين وحراسة الإمام له بوظيفتنا العبوديّة ؟ . . . » « 3 » .
إنّ هذا التفاوت في مستوى الوعي ونوعيّة الهموم المعاشة ، سينعكس - لا محالة - على سيرة هؤلاء العلماء ، وسيؤدّي إلى بروز أنحاء من الاختلافات في ما بينهم . ومن هنا وجدتُ مناسباً الإشارة إلى أنّ قسماً من الاختلاف يرجع إلى هذا النقطة .
وتتميماً لهذه المسألة ، لا بأس بالإشارة إلى القطيعة الموجودة بين هذين الاتّجاهين في ما يتعلّق
هامش
( 1 ) تجدها بإذن الله تعالى في إحدى رسائله سنة 1396 ه -
( 2 ) المائدة : 24
( 3 ) الشيعة . . نص الحوار مع المستشرق كوربان : 231 ؛ وانظر الأصل الفارسي في : شيعه . . مجموعه مذاكرات با پروفسور هانرى كربن ( فارسي ) : 207 .