الطباطبائي على إبرازها ، أنّ هذا الكتاب لا يعطي مفهوماً عقائدياً إلّا وبجنبه مفهوم تربويّ وأخلاقي يستمدّه منه .
كسّار : هل لكم أن تذكروا مثالًا عملياً على الحالة ؟
الحيدري : في قوله سبحانه وتعالى من سورة البقرة :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( البقرة : 21 ) فهو إذ يذكر العبادة يريد من ورائها تقوى . ثم يقول سبحانه :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
( البقرة : 22 ) إذ تراه بعد أن تحدّث عن مقولة علمية مفادها أن الله سبحانه هو المنعم كما هو شأن علم الكلام الذي يثبت لك أنّ الله هو المنعم ، وهو الخالق ، وهو الرازق ، ترى المنهج القرآني ينعطف مباشرة ليسجِّل
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
وهذا هو المفهوم العملي الذي يريد أن يأخذه من هذه النظرية أو من هذه المقولة العلمية .
فمنهج القرآن يحرص على الدوام أن يأخذ من المفهوم العلمي ومن القضية العقيدية التي يعرضها ، مفهوماً عملياً ونتيجة سلوكية ، وبذلك فهو يجمع دائماً الأخلاق والتربية إلى جوار المفاهيم العقائدية .
كسّار : وهل يقتفي السيّد الطباطبائي آثار هذا المنهج في تفسيره ؟
الحيدري : تماماً ، فالسيد الطباطبائي يعتقد أنَّ القرآن كتاب هداية ، لذلك يحرص على إبراز هذا الملمح من ملامح القرآن الذي يعطي المفهوم العلمي وإلى جواره مباشرة المفهوم الأخلاقي