محاولة أخرى للمتكلّمين
حاول بعض المتكلّمين من الأشاعرة « 1 » التخلّص من مناقشة المصنّف المتقدّمة ، وحاصل هذه المحاولة هي : أنّ الزمان ليس أمراً اعتباريّاً لا واقع له ، وإنّما هو أمر انتزاعي ، ومنشأ انتزاعه الواجب تعالى ، فالزمان وإن لم يكن حقيقة متأصّلة عينيّة في الخارج ، لكن له منشأ انتزاع موجود حقيقة ، وعلى هذا يكون الزمان موجوداً حقيقة بوجود منشأ انتزاعه ، وهو الواجب تعالى ، كالفوقيّة والتحتية ، الموجودة بعين وجود موضوعها .
ولا يخفى : أنّ المتكلّمين اضطرّوا إلى القول بأنّ منشأ انتزاع الزمان هو الواجب تعالى ؛ لأنّهم لو قالوا : إنّ منشأ انتزاعه الجسم ، للزم أن يكون العالم قديماً زماناً ؛ لأنّ الزمان متأخّر عن المادّة ، فلا يكون عالم المادّة مسبوقاً بعدم زماني ، ولهذا اضطرّوا إلى القول بأنّ منشأ انتزاع الزمان هو الواجب تعالى .
واعترض عليهم : بأنّ لازم انتزاع الزمان من الواجب - تعالى - عروض التغيّر لذات الواجب تعالى ؛ لمسانخة الأمر الانتزاعي لمنشأ انتزاعه ، فإذا كان الأمر الانتزاعي متغيّراً - وهو الزمان - فلابدّ أن يكون منشأ انتزاعه - وهو الواجب تعالى - متغيّراً أيضاً .
قال المحقّق محمّد تقي الآملي في درر الفوائد : « إنّ الزمان الموهوم فصحّة تصوّره متوقّفة على جواز انتزاع الذات السيّال الممتدّ التدريجي الحصول عن بقاء وجود ثابت غير متغيّر ، ولا متبدّل ، مع عدم المناسبة بينهما ، مع لزوم المناسبة بين الأمر الانتزاعي وبين منشئه ، والحكماء ينكرونه بأشدّ الإنكار » « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر : تعليقة الحكيم السبزواري على الأسفار : ج 3 ، ص 142 ، تعليقة رقم ( 1 ) .
( 2 ) درر الفوائد : ج 1 ، ص 261 ؛ وانظر : تعليقة الحكيم السبزواري على الأسفار : ج 3 ، ص 142 ، تعليقة رقم ( 1 ) .