على أنّا نجد هذه النسبة مختلفة بالقرب والبعد ، والشدّة والضعف ، فالنطفة أقرب إلى الحيوان من الغذاء ، وإن كانا مشتركين في إمكان أن يصيرا حيوانا .
والقرب والبعد والشدّة والضعف أوصاف وجوديّة لا يتّصف بها إلّا موجود ، فالنسبة المذكورة موجودة لا محالة [ 1 ] .
وكلّ نسبة موجودة فإنّها تستدعي وجود طرفيها في ظرف وجودها ، لضرورة قيامها بهما وعدم خروج وجودها من وجودهما وكون أحد طرفي النسبة للآخر [ 2 ] . وقد تقدّم بيان ذلك كلّه في مرحلة انقسام الوجود إلى ما في نفسه وما في غيره [ 3 ] .
وإذا كان المقبول بوجوده الخارجيّ [ 4 ] - الّذي هو منشأ لترتّب آثاره عليه - غير موجود عند القابل ، فهو موجود عنده بوجود ضعيف لا يترتّب عليه جميع آثاره .
وإذ كان كلّ من وجوديه الضعيف والشديد هو هو بعينه فهما واحد . فللمقبول
هامش
- بطرف واحد دائما ، بل بوجود واحد متّصل سيّال على الحركة الجوهريّة . فليس لازم تبدّل جوهر إلى جوهر آخر أن تكون بينهما نسبة موجودة ثابتة ، فإنّ النسبة قائمة بالطرفين وليس هناك إلّا وجود واحد سيّال .
( 1 ) ويمكن منع ذلك ، بأنّ في كلّ ما بالفعل خصوصيّة بها يصلح أن يتبدّل إلى شيء آخر ما لم يكن مانعا من التبدّل . وبعبارة أخرى : أنّ لكلّ ما بالفعل خصوصيّة تهيّؤها للتبدّل إلى شيء آخر بعد ارتفاع الموانع . فللنطفة خصوصيّة بها يصلح أن يصير حيوانا كما أنّ للغذاء خصوصيّة بها يصلح أن يصير حيوانا ، غاية الأمر يختلف التبدّل قربا وبعدا باعتبار قلّة الموانع وكثرتها ، وهذا لا يدلّ على وجود النسبة العينيّة .
( 2 ) أورد عليه بعض الأساتيذ من تلامذة المصنّف رحمه اللّه من وجوه ، الأوّل : أنّ النسبة أمر اعتباريّ عقليّ . الثاني : ربما يعتبر النسبة بين موجود ومعدوم كنسبة الأمس إلى اليوم . الثالث : يمنع اقتضاء النسبة كون وجود أحد الطرفين للغير . راجع تعليقة على نهاية الحكمة : 286 .
( 3 ) راجع الفصل الأوّل من المرحلة الثانية .
( 4 ) أي : بوجوده الفعليّ . فالمراد من الوجود الخارجيّ هو مقابل الوجود بالقوّة لا مقابل الوجود الذهنيّ .