جعلنا العلّة هي الوجود لزم تقدّم [ 1 ] الشيء على نفسه بمراتب . وأمّا الحدوث فلافتقاره إلى الوجود ، لأنّه كيفيّة وصفة له ، وقد علمت افتقار الوجود إلى علّة الافتقار بمراتب . فلو كان الحدوث علّة الحاجة يتقدّم على نفسه بمراتب ، فعلّة الافتقار زائدة على ما ذكرت » [ 2 ] .
وقد اندفعت بما تقدّم مزعمة أخرى لبعضهم [ 3 ] ، وهي قولهم : « إنّ من شرط صحّة الفعل سبق العدم » [ 4 ] . والمراد بالسبق السبق الزمانيّ ، ومحصّله أنّ المعلول بما أنّه فعل لعلّته يجب أن يكون حادثا زمانيّا . وعلّلوه بأنّ دوام وجود الشيء لا يجامع حاجته ، ولازم هذا القول أيضا عدم وجود المعلول عند وجود العلّة .
وجه الاندفاع [ 5 ] : أنّ علّة الحاجة إلى العلّة هي الإمكان ، وهو لازم الماهيّة ، والماهيّة مع المعلول كيفما فرض وجودها ، من غير فرق بين الوجود الدائم وغيره .
على أنّ الوجود المعلول [ 6 ] رابط بالنسبة إلى العلّة ، قائم بها ، غير مستقلّ عنها ، ومن الممتنع أن ينقلب مستغنيا عن المستقلّ الّذي يقوم به ، سواء كان دائما أو منقطعا .
على أنّ لازم هذا القول خروج الزمان من أفق الممكنات ، وقد تقدّمت جهات فساده [ 7 ] .
هامش
( 1 ) هكذا في الأسفار . وفي النسخ : « توقّف » .
( 2 ) راجع الأسفار 2 : 203 - 204 .
( 3 ) أي بعض المتكلّمين على ما نقل في رسالة الحدوث لصدر المتألّهين : 15 . وفي الأسفار عبّر عنهم بطائفة من الجدليّين ، فراجع الأسفار 2 : 384 .
( 4 ) وقال الفخر الرازيّ : « لا يشترط في الفعل تقدّم العدم عليه » ثمّ ذكر عشرة براهين عليه ، وبعد ذلك أجاب عن شبهات المخالفين . فراجع المباحث المشرقيّة 1 : 485 - 494 .
( 5 ) كما في الأسفار 3 : 18 - 19 .
( 6 ) وفي النسخ : « وجود المعلول » . وما أثبتناه أولى .
( 7 ) راجع الفصل السادس من المرحلة الرابعة .