وثالثا : أنّ التناقض بين التصوّرين مرجعه إلى التناقض بين التصديقين ، كالتناقض بين الإنسان واللاإنسان الراجعين إلى وجود الإنسان وعدمه الراجعين إلى قولنا : « الإنسان موجود ، وليس الإنسان بموجود » .
تنبيه :
السوفسطيّ - وهو المنكر لوجود العلم مطلقا - لا يسلّم قضيّة أولى الأوائل [ 1 ] إذ لو سلّمها كان ذلك اعترافا منه بأنّ كلّ قضيّتين متناقضتين فإنّ إحداهما حقّة صادقة ، وفيه اعتراف بوجود علم مّا .
ثمّ إنّ السوفسطيّ - بما يظهر من الشكّ في كلّ عقد - إمّا أن يعترف بأنّه يعلم أنّه شاكّ ، وإمّا أن لا يعترف . فإن اعترف بعلمه بشكّه فقد اعترف بعلم مّا ، فيضاف إليه تسليمه لقضيّة أولى الأوائل ، ويتبعه العلم بأنّ كلّ قضيّتين متناقضتين فإنّ إحداهما حقّة صادقة ، وتعقّب ذلك علوم أخرى . وإن لم يعترف بعلمه بشكّه بل أظهر أنّه شاكّ في كلّ شيء وشاكّ في شكّه ليس يجزم بشيء لغت محاجّته ولم ينجع [ 2 ] فيه برهان ، وهذا الإنسان إمّا مصاب بآفة اختلّ بها إدراكه فليراجع الطبيب ، وإمّا معاند للحقّ يظهر ما يظهر ليدحض به الحقّ فيتخلّص من لوازمه فليضرب وليعذّب وليمنع ممّا يحبّه وليجبر على ما يبغضه ، إذ كلّ شيء ونقيضه عنده سواء .
نعم ، بعض هؤلاء المظهرين للشكّ ممّن راجع العلوم العقليّة - وهو غير مسلّح بالأصول المنطقيّة ولا متدرّب في صناعة البرهان - فشاهد اختلاف الباحثين في المسائل بالإثبات والنفي ورأى الحجج الّتي أقاموها على طرفي النقيض ولم يقدر - لقلّة بضاعته - على تمييز الحقّ من الباطل فتسلّم طرفي النقيض في المسألة
هامش
( 1 ) وللسوفسطيّين شبهات تعرّض لها وللإجابة عليها الشيخ الرئيس في الفصل الثامن من المقالة الأولى من إلهيّات الشفاء . وتبعه على ذلك غيره من المتأخّرين . وأشار إليها وإلى دفعها المصنّف رحمه اللّه هاهنا .
( 2 ) وفي النسخ : « لم ينجح » والصحيح ما أثبتناه ومعناه : لم يؤثّر فيه برهان .