سعيدا » وبمن يأوى إلى بيت ليستظلّ ، فينهدم عليه فيموت ويسمّى هذا النوع من الإتّفاق : « بختا شقيّا » 1 .
وعلى ذلك بنى بعض علماء الطبيعة كينونة العالم ، فقال : « إنّ عالم الأجسام مركّبة من أجزاء صغار ذرّيّة مبثوثة في خلاء غير متناه ، وهي دائمة الحركة ، فاتّفق أن تصادمت جملة منها فاجتمعت فكانت الأجسام ، فما صلح للبقاء بقي وما لم يصلح لذلك فنى سريعا أو بطيئا » 2 .
والحقّ : أن لا اتّفاق في الوجود . ولنقدّم لتوضيح ذلك مقدّمة ، هي : أنّ الأمور الكائنة يمكن أن تتصوّر على وجوه أربعة 3 : منها ما هو دائميّ الوجود ، ومنها ما هو أكثريّ الوجود ، ومنها ما يحصل بالتساوي كقيام زيد وقعوده مثلا ، ومنها ما يحصل نادرا وعلى الأقلّ كوجود الإصبع الزائد في الإنسان .
والأمر الأكثريّ الوجود يفارق الدائميّ الوجود بوجود معارض يعارضه في بعض الأحيان ، كعدد أصابع اليد ، فإنّها خمسة على الأغلب ، وربما أصابت القوّة المصوّرة للإصبع مادّة زائدة صالحة لصورة الإصبع ، فصوّرتها إصبعا ؛ ومن هنا يعلم : أنّ كون الأصابع خمسة مشروط بعدم مادّة زائدة ، وأنّ الأمر بهذا الشرط دائميّ الوجود لا أكثريّة ، وأنّ الأقلّيّ الوجود مع اشتراط المعارض المذكور أيضا دائميّ الوجود لا أقلّيّة ؛ وإذا كان الأكثريّ والأقلّيّ دائميّين بالحقيقة فالأمر في المساوي ظاهر ؛ فالأمور كلّها دائميّة الوجود جارية على نظام ثابت لا يختلف ولا يتخلّف .
هامش
( 1 ) هذا ما توهّمه ذيمقراطيس كما في الفصل الرابع عشر من المقالة الأولى من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء .
( 2 ) انتهى ما قال بعض علماء الطبيعة ، وهو أنباذقلس كما في الفصل الرابع عشر من المقالة الأولى من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء .
( 3 ) هكذا أجاب عن الإشكال الشيخ الرئيس في الفصل الثالث عشر من المقالة الأولى من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء .