مؤمنين ؛ وأما حين انسلخوا عن الايمان ، فقد لحقتهم لعنة الرب ، على ما صرحت به التوراة المتداولة نفسها « 1 » وانسلخوا من كل هذه المفاهيم . وبقيت هي محافظة على نقائها وطهارتها لمن ورث الايمان الحقيقي في أي جيل من الأجيال ، وبقي منسجما مع التخطيط العام وأهدافه .
- 8 - الجانب الخامس : جانب الجهل والتخلف الذي كان هو صفة للمجتمع في شبه الجزيرة العربية .
يبدو لأول وهلة ان هذه المنطقة كانت محجوبة عن دعوات الأنبياء ، وانها أخذت منذ عهد بعيد مسارا خاليا من النبوات ، من الناحيتين الفكرية والتشريعية .
فإنه لم يعهد ان وجد فيها نبي قبل نبي الاسلام ، بعد ان مر فيها إبراهيم عليه السلام ، وأقام بناء بيت اللّه الحرام بمكة ، ولا يعلم أنه هل كان له تأثير واسع أو لم يكن . . . وإنما كل ما وجدناه هو ان المجتمع أصبح وثنيا ، تعيش أجياله على الوثنية من أمد بعيد .
وإلى ذلك يشير قوله تعالى :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ
« 2 » . وان الفترة المتخللة بين ورود إبراهيم عليه السلام لهذه البلاد ، وبعثة نبي الاسلام ، والتي تزيد على ألفي عام ، كافية لصدق هذه الآية بكل وضوح .
إلا أن الشيء الذي ينبغي أن يكون ثابتا ، هو أن تأثير النبوات كان موجودا وقويا ، لكن بشكل لا يسيطر على الجو العام ، الذي كان يمثل الجهل والوثنية .
والمظنون أن الأثر الأهم لذلك ، إنما هو لإبراهيم عليه السلام ، حيث استطاع أن يبقي في تلك البلاد خطا حنيفيا على نطاق محدود ، متوارثا جيلا بعد جيل حتى كان أشهر من تمثلت فيه هذه الحنيفية قبيل الاسلام هو ( عبد المطلب بن هاشم ) جد النبي ( ص ) .
فلئن كان إبراهيم ( ع ) قد أثر في هداية بني إسرائيل عن طريق ابنه إسحاق ( ع ) ، فإنه قد أثر في هداية العرب عن طريق ولده إسماعيل ( ع ) . وكلا ولديه نبي صالح وواعظ موجّه ، وكان لهذه الهداية الأثر الكافي للبقاء خلال أكثر من ألفي عام ، إلى أن توّجت هذه الحنيفية بالاسلام . ولم يمنع عن هذا الاستمرار وجود الشعور القبلي والتقالية القبلية المنحرفة .
هامش
( 1 ) انظر : خروج : 32 / 33 وتثنية : 27 / 26 .
( 2 ) القصص 39 / 69 وألم السجدة 32 / 3 .