وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا
. . . الآية « 1 » .
وقد فهم منها سيدنا الأستاذ السيد الصدر :
« بأن المجتمع البشري مر بمرحلة فطرة وغريزة ، قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل والتأمل » « 2 » .
وهذا الفهم يعني اننا نستفيد من هاتين الآيتين الكريمتين هذا المفهوم : وهو ان المجتمع البشري كان في أول وجوده لا يزيد في مميزاته وصفاته عن مجتمع الحيوان ، ثم بدأ - طبقا لتخطيط التكامل - يتفتح على الفهم والتفكير .
وكان خلال عصره الفطري فاقدا للاختلاف في المصالح والاختلاف في العقيدة . أما عدم الاختلاف في العقيدة والتشريع فلعدم وجود المستوى الذهني الكافي لفهم ذلك ، أو إذا كان عندهم عقيدة بسيطة ، فليس لهم المستوى الكافي لفلسفتها ومناقشتها ، فهم جميعا يتسالمون على صحتها .
وأما عدم الاختلاف في المصالح ، ذاك الاختلاف المؤدي إلى النزاعات والحروب ؛ فلعدم وجود المستوى الذهني الكافي للتركيز على هذه الجهات . وهذا لا ينافي وجود نزاعات بسيطة بين الأفراد ، كما توجد بين الحيوان .
وبمجرد ان وجد المستوى الكافي للتفكير ، وجد النزاع بينهم بطبيعة الحال . وهذا هو المستفاد من قوله عز وجل : فاختلفوا . . . أي ان الاختلاف وجد بعد انتهاء عصر القصور الذهني .
وحين وجد النزاع والاختلاف في البشر ، كان مقتضى التخطيط العام لتكاملهم ، ان يعرفوا التشريع الكافي لحل هذه المنازعات والعقيدة الكافية لزرع الاخوة فيما بينهم . وبذلك بعثت الأنبياء وأرسلت الرسل .
وهذا الفهم هو أقرب المعاني المحتملة إلى هاتين الآيتين ، بلا شك ، وأقربها إلى التصورات الاعتيادية عن الحياة والمجتمع البشري . ومن الواضح ان بعض القرآن يكون قرينة على فهم البعض الآخر ؛ وأمر يؤمن به كل مؤمن بالقرآن الكريم .
وهذا الفهم لا يتضمن ان أصل الانسان من الحيوان ، أو انه وجد ناجزا بطريقة إبداعية ، ومن هنا لا ينافي ظواهر القرآن الأخرى ، من هذه الجهة .
هامش
( 1 ) يونس : 10 / 19 .
( 2 ) اقتصادنا : محمد باقر الصدر ج 2 ص 359 .