الطريق الأول : ان الفكر الانساني يحمل فكرة ما عن المجتمع الذي تتحقق فيه السعادة والرفاه . وهذه الفكرة مهما كانت غائمة وصغيرة ، إلّا أنها تستطيع أن تمدنا ببعض التفاصيل القليلة ؛ ومن هنا صلح الفكر الانساني مصدرا لمعرفة صفة الكمال البشري على أي حال .
وانطلاقا من ذلك ، يفترض أن هذا الكمال الذي يدركه الفكر الانساني بوجدانه ، هو الذي يستهدفه التخطيط الإلهي في مسيره . وقد تكون هناك إضافات وتفاصيل غير مدركة له تكون مطبقة في ذلك اليوم الموعود .
يدرك الفكر الانساني ان الخلافات الاجتماعية والحروب مصدار للشرور ، وان الاعتداء على الآخرين - أيا كان منشؤه - مصدر لها أيضا ، وان الاختلاف في الآراء وعدم اجتماع الكلمة سبب لها أيضا ، فإذا تبدلت هذه الصفات بأضدادها فساد الوئام واتفقت الكلمة وتحسن الوضع الاجتماعي والاقتصادي ، كان ذلك من الأسس الكبرى للسعادة الاجتماعية .
ولا مناقشة لأحد في هذه الصفات . وإنما نقطة الضعف الرئيسية في هذا الطريق هو قلة الحقائق المدركة للفكر الانساني والمتفق عليها بين البشر . إذ كثير ما يختلف الناس في أن هذه الصفة أو تلك هل هي من أسباب السعادة أو لا .
ولا يبقى مما هو متفق عليه إلا حقائق قليلة ذات عموم غير تطبيقي . ومعه يحتمل أن تكون الحقائق الأخرى غير المدركة أهم تأثيرا من هذه الحقائق المدركة ، كما يحتمل أن يكون تطبيق الحقائق المدركة تطبيقات خاطئة أو غير متفق على صحتها على أقل تقدير . وما هو ؟ أو من هو الميزان في تشخيص صحتها من فسادها ؟ ! . .
الطريق الثاني : الاستلهام من قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » .
حيث دلّت الآية على أن الهدف الأساسي من خلق البشرية هو عبادتهم للّه الخالق القدير تعالى .
ويتم ذلك بالالتفات إلى أمرين :
الأمر الأول : إن اللام في قوله تعالى :
لِيَعْبُدُونِ
للغاية لا للعاقبة .
هامش
( 1 ) انظر - مثلا - : تاريخ الغيبة الكبرى ص 234 .