وقد عرفنا أن كلمات الماركسيين ، مختلفة في ضرورة نفي الملكية الخاصة عن وسائل الانتاج فقط ، أو ضرورة نفي الملكية الخاصة نفيا مطلقا ؛ ونحن لا بد أن نتكلم على كلا التقديرين .
أما انتفاء الملكية الخاصة عن وسائل الانتاج ، فهو - في بعض الحدود - قد يكون له قسط من الصحة ، كما سوف يأتي عند الحديث عن « اليوم الموعود » .
ولكننا الآن نريد أن نتكلم في إطار ماركسي ، لنرى ان الماركسية في حدود مفاهيمها عن الكون والحياة ، هل هي مصيبة في كلامها هذا ، أم لا .
إنه يمكن إيراد عدة مناقشات على ذلك :
المناقشة الأولى : ما سبق أن ذكرناه في مناقشة الطور الأول ، من أن ذلك يعود إلى سيطرة كبراء المجتمع على وسائل الانتاج . كل الفرق : ان الدولة في الطور الأول كانت موجودة وكانت مطلقة اليد في وسائل الانتاج فتكون شبيهة بالملكية الرأسمالية ، كما سبق . وأما في الطور الأعلى ، فيوجد زعماء المجتمع من رؤساء الهيئات والنقابات وأعضاء الحزب القائد . . . فإن بأيديهم يكون زمام التصرف في هذه المعامل ، فيكون الحال شبيها أيضا بالملكية الرأسمالية . وقد عرفنا في تلك المناقشة أنه يكون لهم فرصة تكديس الأموال إلى أكبر الحدود . . .
وان لم يكن لهم شعور حقيقي بملكية نفس العامل .
المناقشة الثانية : ما هو سبب انتقال ملكية وسائل الانتاج إلى الملكية العامة ؟ إن الماركسية تتذبذب في الجواب عن ذلك بين الضرورة والاختيار .
فبينما نرى أن قواعد المادية التاريخية ، في إناطة كل مجرى التاريخ بتطور وسائل الانتاج بالضرورة ، تقتضي أن هذا الانتقال ضروري الحصول أيضا .
فوسائل الانتاج إذا وصلت إلى حد معين في التطور ، اقتضت أن تملك هي بالملكية العامة ، وان تنفك عنها الملكية الخاصة . . . نرى إلى جانب ذلك أن الماركسية تؤكد على جانب الوعي والاختيار بتركيز شديد ابتداء من عهد دكتاتورية البروليتاريا فصاعدا ، وكلما تقدم العهد ، ازداد التركيز على الاختيار .
وقد سبق أن سمعنا كوفالسون يقول :
« إن سير المجتمع الاشتراكي نحو الشيوعية يتوقف على صانعيه بالذات ، على لحمتهم ووحدتهم وعقلهم وموهبتهم ونشاطهم ومبادراتهم ورجولتهم . . . الخ » « 1 » .
هامش
( 1 ) المادية التاريخية : كيلله ، كوفالسون ص 144 .