فتحصّل : أن مادّة ( الخنّس ) بمعنى الاختفاء والابتعاد ، ولا يخفى أنَّ الابتعاد سببٌ للاختفاء وملازمٌ غالباً أو عادةّ للاختفاء .
وقد أفاد الراغب في عبارته السابقة : أنَّ الشيطان يخنس ، أي : ينقبض ، ولم يقل : يبتعد أو يختفي ، وهذا الرأي هو الأوفق بمعنى الخنس .
والظاهر : أنَّ خنس بمعنى اختفى : إمّا ثبوتاً أو إثباتاً ، فاختفى ثبوتاً يعني : زال حقيقةً وانعدم في عالم الواقع وأصبح لا وجود له ، وأمّا الاختفاء الإثباتي فهو من قبيل ما لو أخفينا شخصاً في غرفةٍ أو مكانٍ آخر ، فهو ليس زوالًا وانعداماً بالمعنى الحقيقي .
وجميع الأسباب المذكورة ، كالانقباض والقبض والتأجيل والتأخير تفيد ذلك المعنى ، أي : المعنى الأعمّ للخنّس الشامل للثبوتي والإثباتي : إمّا مجازاً وإمّا حقيقةً .
وأمّا ( الجواري ) فهي جمع ( جاري ) ، وهو اسم فاعل ؛ وإذا قصدنا به المؤنّث ( جارية ) فجمعه جواري ، وإذا قُصد به المذكّر فجمعه جواري أيضاً ، فنقول : إنَّ مطلق جاري جمعه جواري .
ثُمَّ ينبغي أن نفهم المفرد منه حتّى نفهم الجمع ، ويمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في المقام :
الأُطروحة الأُولى - وهي الأُطروحة المشهورة - : وحاصلها : أنَّ المفرد ( جاري ) مأخوذ من الجريان ، وهو التحرّك ، ونسبوها إلى الكواكب والنجوم . ويمكن كأُطروحةٍ نسبة الجريان إلى كلّ شيءٍ متحرّكٍ ، وأوضح شيء بالجريان هو الماء .
الأُطروحة الثانية : أنَّ لفظ ( جارية ) بمعنى المملوكة ، والجمع جواري ،
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 61
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٦١