السابقة ، فهي نفسها الدنيا هي هي ، مرض في كلّ وقتٍ ، وفقر في كلّ وقتٍ ، وسجنٌ في كلّ وقتٍ ، وموتٌ في كلّ وقتٍ ، وحربٌ في كلّ وقتٍ . والغرض بيان تماثل سنخ ونوعيّة البلاء ، فهذا هو المعنى الأشهر لهذه العبارة . وحينئذٍ يكون هذا بمنزلة المعلول للسياق السابق ؛ لأنَّه فيما سبق بيّن حال المتّقين من غيرهم ، وحينئذٍ فهناك دعوةٌ إلى الإنسان ليكون صالحاً ، وإلّا أصابه البلاء الدنيوي لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ أي : لترونّ البلاء لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ « 1 » . ولو قلنا : إنَّ البلاء قد يكون علّة للإيمان تارة وعلّة لكفر أُخرى ، فسوف يكون قوله تعالى : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ علّة للسياق السابق وليس معلولًا .
فعلى ذلك لا نستطيع أن نسمّيه علّةً ، وإنَّما نسمّيه معلولًا .
والآن نأتي إلى أهمّ مفردةٍ في الآية ، وهي ( الشفق ) . فما معنى الشفق ؟
قال الراغب : الشفق اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس . قال : فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ « 2 » . والإشفاق عنايةٌ مختلطةٌ بخوفٍ ؛ لأنَّ المشفق يحبّ المشفق عليه ويخاف ما يلحقه . قال : وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ « 3 » . فإذا عُدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإذا عُدّي بفي فمعنى العناية فيه أظهر . قال : إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ « 4 » مُشْفِقُونَ مِنْهَا « 5 » مُشْفِقِينَ مِمَّا
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، الآية : 42 .
( 2 ) سورة الانشقاق ، الآية : 16 .
( 3 ) سورة الأنبياء ، الآية : 49 .
( 4 ) سورة الطور ، الآية : 26 .
( 5 ) سورة الشورى ، الآية : 18 .