نصل إلى السؤال الرئيسي القائل : ما هو مؤدّى العمل والطاعات ؟ فإذا كان دخول الجنّة أو أيّ شيء بإذن الله ، فما معنى الطاعات والعبادات ؟
الجواب : أنَّ العمل له عددٌ من الآثار في حقيقة الأمر :
أوّلًا : إنتاج الاستحقاق . ومنه يظهر أنَّ قوله : ارْجِعِي لا تُقال لكلّ أحدٍ ، وإلّا لدخل الجميع الجنّة ، وإنَّما تُقال للمستحقّ ، ويُعطى حينئذٍ كلّ واحدٍ بحسب استحقاقه ، وهذا يكفي ؛ فالعمل ينتج الاستحقاق ، والاستحقاق ينتج الأمر الإلهي بإعطاء الثواب .
ثانياً : أنَّ الأمر الإلهي بمنزلة المقتضي ، والعمل بمنزلة الشرط الأعمّ من الشرط وعدم المانع ( إزالة المانع أو إيجاد الشرط ) بمعنى : أنَّ المعطي الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى ، ولكنّه لا يُعطي جلّ جلاله مع وجود المانع ، وهو السوء المركوز في النفس ، وإنَّما يعطي النفس الطيّبة النيّرة والقلب الطاهر ، لا الماكر الخبيث ( والعياذ بالله ) . فإذن لابدّ من إزالة الخبث وإزالة السوء من النفس ،
وهو المانع ، فإذا زال المانع فإنَّ الله كريمٌ لا بخل في ساحته معطاءٌ دائماً ، فالمقتضي موجودٌ دائماً ، وإنَّما السوء منّا حين أوجدنا المانع بالعصيان وسوء الاختيار . ولذا يقول : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ « 1 » بعد أن كان مقتضي دخول الجنّة موجوداً ، وإنَّما العجيب الغريب أنَّنا نذهب إلى جهنّم . إذن فالمقتضي - وهو كرم الله ورحمته - موجودٌ ، والخلقة الأساسيّة الخيّرة - وهي الفطرة - موجودةٌ أيضاً ، لكن علينا أن لا نلطّخ هذه الفطرة ولا نحرفها ولا نغيّرها . فقد ظهر : أنَّ العمل ينتج إيجاد الشرط أو عدم المانع .
ثالثاً : أنَّ العطاء الإلهي يكون ابتداءً ، وليس فيه استحقاقٌ ، فالمطيع قد
هامش
( 1 ) سورة المدّثّر ، الآية : 42 .