والذي يظهر أنَّ ( صفّاً ) الثانية تأكيدٌ محضٌ ، فيناسب أن يكون هناك صفٌّ واحدٌ ، فيكون معنى ( صفّاً صفّاً ) : اصطفّوا اصطفّوا . والاصطفاف هنا أعمّ من الصفّ الواحد والمتعدّد . أمّا إذا قلنا بتجاوز اللغة وقلنا : إنَّ ( صفّاً صفّاً ) بمعنى ( عدّة صفوفٍ ) لا ( صفّاً واحداً ) بالرغم من أنَّ اللغة لا تناسبه ؛ لأنَّ التأكيد أعمّ كما قلنا في الوجه الأوّل ، إلّا أنَّ المفاد المعنوي للآية ليس هو ذلك ، فالمفهوم منها أنَّها عدّة صفوفٍ أو عددٌ كثيرٌ من الصفوف . والحاصل : أنَّ ما ذكر لو أردنا أن نثبته لغةً ، لكنّا مضطرّين إلى تقدير حرف عطف ( الواو ) فيكون الكلام : ( صفّ وصفّ وصفّ ) ، وإلّا لو كنّا والعبارة ، فمن الصعب من الناحية اللغويّة أن نفهم منها التعدّد .
* * * * قوله تعالى : وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى :
اليوم في قوله : ( يومئذٍ ) ظرفٌ يعود إلى ( إذا ) في قوله : كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا « 1 » ، ومن الواضح أنَّ كلا الآيتين تشكّلان مدخولًا للأداة ( إذا ) ، ثُمَّ بعد ذلك يأتي بمدخولٍ آخر وهو قوله : وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ . فتقدير الكلام هو أنَّه إذا حصل كذا وكذا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ، فكأنَّ هذا الظرف مع ذاك متّحدان من الناحية الظرفيّة والزمانيّة ،
فيومٌ ظرف زمانٍ ، وإذا ظرفُ زمانٍ أيضاً ، فالزمانيّة من هذه الناحية لها نحو اتّحادٍ وتماثلٍ .
وربما يُستشكل في أنَّنا قلنا : إنَّ الأرض لا تدكّ في القيامة ، وإنَّما تدكّ قبل يوم القيامة ، مع أنَّ قوله : وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ناظرٌ إلى
هامش
( 1 ) سورة الفجر ، الآية : 21 - 22 .