إذن فهذه المادّة منسوبةٌ إلى الله سبحانه ، ونسبتها إلى الله تكون قرينةً على أن ( إرم ) قبيلةٌ لا مدينةٌ .
قلت : هذا قابلٌ للجواب عنه بأكثر من وجهٍ :
الوجه الأوّل : أن نقول بأنَّ المتشرّعة وإن فهموا من الخلق نسبته إلى الله سبحانه وتعالى ، إلّا أنَّ هذه النسبة غالبيّةٌ لا دائميّةٌ ؛ لأنَّ القرآن بنفسه نسب الخلق إلى غير الله سبحانه ، والقرآن حجّةٌ على المتشرّعة ، فانتفت القرينيّة من هذه الناحية ، ويمكن أن يكون المراد بإرم المدينة أو القبيلة ، ولا يتعيّن الثانية .
الوجه الثاني : أنَّه مع التسليم بأنَّ الخلق في الآية يُراد به خلق الله سبحانه وتعالى ، فإنَّه لا يتعيّن أن تكون القبيلة مفهومةً من لفظة ( إرم ) ؛ لأنَّ الله تعالى كما خلق القبيلة كذلك خلق المدينة ، وكلّ شيءٍ مخلوقٌ له سبحانه وتعالى ، ولا تنافي بين النسبة إلى الأسباب والنسبة إلى الخالق ؛ لأنَّ الأسباب فاعلةٌ والخالق فاعلٌ من جهته لو صحّ التعبير ، فيمكن أن يكون الملاحظ هو تأثير الله سبحانه وتعالى في خلق المدينة بغضّ النظر عن فعل البنّائين .
فإن قلت : إنَّ الألف واللام في ) البلاد ) ظاهرة في الجنس لا العهد ، أي : التي لم يخلق مثلها في مطلق البلاد ، وهو الأظهر ، والأصل في الألف واللام أن تكون للجنس لا للعهد ، فيتعيّن أن يكون المراد وجه الأرض لا المنطقة أو الإقليم المحدود .
قلت : إنَّ الأصل في الألف واللام وإن كان هو الجنس ، لكنّنا نستظهر ذلك فيما إذا لم تقم قرينةٌ على الخلاف . وفي المقام يمكن القول : إنَّ هناك قرينةً قامت على تضييق دائرة المراد بالألف واللام ، وليس هو كلّ البلاد ، بل المراد هو منطقةٌ محدودةٌ وهي ( إرم ) ؛ لأنَّ ( إرم ) تقع في منطقةٍ محدّدةٍ لا محالة ،
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 254
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٥٤