يجعل كلتا النسبتين إليه سبحانه أو كلتيهما إلى الأبابيل ، إلّا أنَّه اختار ما هو ألطف بلاغيّاً وعرفانيّاً .
وبتعبير آخر : إنَّ الفعل فعل الله أصلًا ، وهو الذي أوجد النتيجة ، إلّا أنَّ الوسط أو الخريطة أو السبب هو ما أشير إليه في صدر السورة ، وهو الأبابيل .
* * * * قوله تعالى : تَرْمِيهِمْ :
قال العكبري : تَرْمِيهِمْ نعت لطيراً ، والكاف مفعول ثان « 1 » .
أقول : لأنَّ الجمل بعد النكرات صفات ، وجعلَ تأخذ مفعولين ، أي : جعل الله إيّاهم كعصفٍ مأكول .
وقوله : ( والكاف مفعول ثان ) يعني : في قوله : كَعَصْفٍ وهو لا يخلو من تسامحٍ ؛ لأنَّ حرف الجرّ لا يكون مفعولًا ، بل الاسم هو المفعول الثاني ، وهو العصف المجرور بالكاف .
هذا ويمكن أن نضمَّ إلى ذلك عدّة أفكار :
أوّلًا : أنَّ الجارّ والمجرور ليس بنفسه مفعولًا به ، بل يحتاج إلى متعلق ، وهو محذوفٌ أو مقدّر ، وهو المفعول الثاني .
ثانياً : أنَّ وجود الجارّ والمجرور وعدمه يتبادلان ، وذلك في المنصوب بدل المجرور ، ويسمّى المنصوب بنزع الخافض ، أي : بتقدير حرف الجر ، ويمكن أن يكون العكس ، أي : الاستغناء عن النصب عن طريق وجود حرف الجرّ المناسب له ، والآية من هذا القبيل .
فبالرغم من دخول الكاف الجارّة عليه لم يخرج عن كونه مفعولًا ثانياً ،
هامش
( 1 ) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 294 : 2 ، سورة الفيل .