من مر بحائط ، فله أن يأكل ، ولا يتخذ خبنة ، وروى فيه حديث ، لو كان يثبت مثله عندنا ، لم
نخالفه ، والكتاب والحديث الثابت ، أنه لا يجوز أكل مال أحد إلا بإذنه ، ولو اضطر رجل فخاف
الموت ثم مر بطعام لرجل ، لم أر بأسا أن يأكل منه ، ما يرد من جوعه ، ويغرم له ثمنه ، ولم أر للرجل
أن يمنعه في تلك الحال ، فضلا من طعام عنده ، وخفت أن يضيق ذلك عليه ، ويكون أعان على
قتله ، إذا خاف عليه بالمنع القتل .
( جماع ما يحل ويحرم أكله وشربه مما يملك الناس )
( قال الشافعي ) رحمه الله : أصل ما يملك الناس مما يكون مأكولا ومشروبا ، شيئان . أحدهما ،
ما فيه روح ، وذلك الذي فيه محرم وحلال ، ومنه ما لا روح فيه ، وذلك كله حلال ، إذا كان بحاله
التي خلقه الله بها وكان الآدميون لم يحدثوا فيه صنعة خلطوه بمحرم ، أو اتخذوه مسكرا ، فإن هذا
محرم ، وما كان منه سما يقتل رأيته محرما ، لان الله عز وجل ، حرم قتل النفس على الآدميين . ثم قتلهم
أنفسهم خاصة ، وما كان منه خبيثا قذرا فقد تركته العرب تحريما له بقذره . ويدخل في ذلك ، ما كان نجسا .
وما عرفه الناس سما يقتل ، خفت أن لا يكون لاحد رخصة في شربه ، لدواء ولا غيره ، وأكره قليله وكثيره ،
خلطه غيره أو لم يخلطه . وأخاف منه على شاربه وساقيه ، أن يكون قاتلا نفسه ومن سقاه . وقد قيل : يحرم
الكثير البحت منه ، ويحل القليل الذي الأغلب منه أن ينفع ولا يبلغ أن يكون قاتلا ، وقد سمعت بمن مات
من قليل ، قد برأ منه غيره ، فلا أحبه ، ولا أرخص فيه بحال ، وقد يقاس الكثير السم ، ولا يمنع هذا أن
يكون يحرم شربه .
( تفريع ما يحل ويحرم )
( قال الشافعي ) رحمه الله قال الله تعالى " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى
الصيد وأنتم حرم " فاحتمل قول الله تبارك وتعالى " أحلت لكم بهيمة الأنعام " إحلالها دون ما سواها ،
واحتمل إحلالها بغير حظر ما سواها . واحتمل قول الله تبارك وتعالى " وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا
ما اضطررتم إليه " وقوله عز وجل " قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة
أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به " وقوله " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه "
وما أشبه هؤلاء الآيات ، أن يكون أباح كل مأكول لم ينزل تحريمه في كتابه نصا ، واحتمل كل مأكول
من ذوات الأرواح لم ينزل تحريمه بعينه نصا أو تحريمه على لسانه نبيه صلى الله عليه وسلم ، فيحرم بنص
الكتاب وتحليل الكتاب بأمر الله عز وجل بالانتهاء إلى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم فيكون إنما حرم
بالكتاب في الوجهين : فلما احتمل أمر هذه المعاني ، كان أولاها بنا ، الاستدلال على ما يحل ويحرم
بكتاب الله ثم سنة تعرب عن كتاب الله أو أمر أجمع المسلمون عليه ، فإنه لا يمكن في اجتماعهم أن يجهلوا لله
حراما ولا حلالا إنما يمكن في بعضهم ، وأما في عامتهم فلا ، وقد وضعنا هذا مواضعه على التصنيف .