بالعبودية ، فانَّ العبودية جوهرةٌ كنهها الربوبية ، خليفة اللَّه في الملك و الملكوت و إمام أئمّة قُطّان الجبروت ، جامع أحدية الأسماء الإلهية و مظهر تجلّيات الأوّلية و الآخريّة ، الحجَّة الغائب المنتظر ، و نتيجة مَنْ سلف و غَبَر - أرواحنا له الفداء و جعلنا اللَّه من أنصاره - و العنِ اللهم أعدائهم ، قُطّاع طريق الهداية ، السالكين بالامم مسلك الضلالة و الغواية
و بعد ، فإنّ الإنسان ممتاز عن ساير الموجودات باللطيفة الربانية و الفطرة الالهية -
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
- و هذه بوجهٍ هي الأمانة المشار إليها في الكتاب العزيز الالهي
« إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ »
و هذه الفطرة هي فطرة توحيد اللَّه في المقامات الثلاثة بل رفض التعيّنات و إرجاع الكُلّ إليه و إسقاط الإضافات حتّى الأسمائية و إفناء الجُلّ لديه . و مَنْ لم يصل إلى هذا المقام فهو خارجٌ عن فطرة اللَّه و خائنٌ في أمانة اللَّه ، و جاهلٌ بمقام الإنسانية و الربوبية ، و ظالمٌ بنفسه و الحضرة الالهية
و معلومٌ عند أصحاب القلوب من أهل السابقة الحُسنى أنّ حصول هذه المنزلة الرفيعة و الدرجة العَلية ؛ لا يمكن إلّا بالرياضات الروحية و العقلية و الخواطر القُدسية القلبية بعد طهارة النفس عن أرجاس عالم الطبيعة و تزكيتها ، فإنّ هذا مقامٌ
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
، و صرف الهَمّ إلى المعارف الإلهية و قَصْر الطرْف إلى الآيات و الأسماء الربوبية عقيب صيرورته إنساناً شرعيّاً بعد ما كان إنساناً بشرياً بل طبيعياً . فاخرجي أيّتها النفس الخالدة إلى الأرض لاتّباع هواك من بين الطبيعة المظلمة المدهشة الهيولانية ، و هاجري إلى اللَّه مقام الجمع و إلى رسوله مظهر أحدية الجمع حتّى يدركك الموت بتأييد اللَّه تعالى فوقع أجرك عليه ، و هذا هو الفوز العظيم و الجنة الذاتية اللقائية التي لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر
و اعلمي أنّك ظهرت من مقام جامعية الأسماء و البرزخية الكبرى ، و أنت غريب في هذه الدار و لا بدّ لك من الرجوع إلى الوطن ؛ فاحببي وطنك فإنّه من الإيمان - كما أخبر به سيّد الإنس و الجانّ
إيّاك ثمّ إيّاك - و اللَّه تعالى معينك في اولاك و اخراك - و أن تصرف همّك إلى حصول الملاذّ الحيوانية الشهوية فإنّ هذا شأن البهائم ، أو الغلبة على أقرانك و أشباهك حتّى في العلوم و المعارف فإنّ هذا شأن السباع ، أو الرئاسات الدنيوية الظاهرية و صرف الفكر و التدبير إليها فإنّ