لا تدرك إلا بالحواس - وهو في الفرض المذكور كان غافلا عن الحواس - وعما تدركه الحواس مع أنه مدرك لذاته - وأبطل أن يكون المدرك شيئا من أعضائه الباطنة - بأنها لا تدرك إلا بالتشريح - وهو في الفرض المذكور كان غافلا عن التشريح - وعما يوجبه التشريح - وأبطل أن يكون المدرك جملة البدن - بأنه حين يمتحن من نفسه - يجد نفسه مدركا لذاته - وغافلا عن تفاصيل أعضائه - وبأن إدراك المركب - لا ينفك عن إدراك أجزائه - التي يكون كل واحد منها غير المركب - وكان الإنسان في الفرض المذكور - غافلا عما يغايره - فظهر أن المدرك هو شيء غير أجزاء البدن جملة وفرادى - التي يمكن أن يغفل عنها المدرك لذاته حالة الإدراك - لكونها غير ضرورية الإدراك في كونه مدركا لذاته - وظهر من ذلك أن المدرك ليس بمحسوس - ولا ما يشبه المحسوس مما سنذكره - يعني المتخيل والموهوم
( 4 ) وهم وتنبيه [ في أن إثبات الذات لا يكون بمعلولاته ]
ولعلك تقول - إنما أثبت ذاتي بوسط من فعلي - فيجب إذن أن يكون لك فعل تثبته في الفرض المذكور - أو حركة أو غير ذلك - ففي اعتبارنا الفرض المذكور - جعلناك بمعزل من ذلك - وأما بحسب الأمر الأعم - فإن فعلك إن أثبته فعلا مطلقا - فيجب أن نثبت به فاعلا مطلقا لا خاصا - هو ذاتك بعينها وإن أثبته فعلا لك فلم تثبت
هامش
- أشار بقوله « أحد مشاعرك مشاهدة » وإلى المشاعر الباطنة وهو المراد منه بقوله « أم عقلك وقوة غير مشاعرك » ثم قسم المشاعر الباطنة إلى نفسه وهو العقل ، وإلى قوة أخرى يناسب المشاعر الظاهرة ؛ وأشار اليه بقوله « وقوة غير مشاعرك » والواو بمعنى أو ، وقسمة أخرى إلى ادراك بوسط أو بغير وسط فقول الشارح « وقسم الباطنة إلى ما يدرك بواسطة وإلى ما يدرك بنفسه » ليس المراد بهما قسيمان بل تقسيمان ، وبين أن الادراك ليس بقوة أخرى ولا بتوسط شيء لأنه في الحال المفروضة ذاهل عن جميع ما يغايره . فبقى ان يكون الادراك اما بالمشاعر الظاهرة أو بنفسه بلا وسط ، لكن لا جايز أن يكون بالمشاعر الظاهرة لما سيجيء في التنبيه الثالث أن المدرك غير محسوس فلا يكون الادراك بالمشعر الظاهر . فلانه في الفرض المذكور غافل عن -