أُمُورِكُمْ ، ومَنْهَلًا « 1 » لِحِينِ وُرُودِكُمْ « 2 » ، وشَفِيعاً لِدَرَكِ « 3 » طَلِبَتِكُمْ ، وجُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ ،
ومَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ ، وسَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ ، ونَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ » .
فقد شخص الإمام عليه السلام في العبارات الثلاث الأُولى منزلة طاعة اللَّه في وجود الإنسان ، فشبهها بادىء الأمر بالشعار الذي يعني ما يلي البدن من الثياب لا الدثار الذي يعني الثياب الخارجية التي تقتصر على الرياء والاهتمام بالظاهر ، ثم غاص أبعد من ذلك ليسحبها إلى باطن الجسم على أنّها أعمق من الشعار ، ثم تعمق أكثر ليرى موضعها في القلب .
وهنا لابدّ من الالتفات إلى أنّ العبارة « بين أضلاع » إشارة لطيفة إلى القلب ، ذلك لأنّ القلب داخل الصدر وقد أحيط من جميع جوانبه بالأضلاع .
جدير ذكره أنّ القلب ليس مركز الإدراكات ، إلّاأنّه على صلة وثيقة بدماغ الإنسان وروحه ، وكل ظاهرة تطرأ على الروح إنّما تظهر آثارها بادئ الأمر في القلب .
العبارة :
« أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ »
إشارة إلى ضرورة سيادة أوامر اللَّه في جميع شؤون الحياة الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة .
والعبارة :
« ومَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ . . . »
تشير إلى أنّ المعطيات الإيجابيّة والبركات الجمة لطاعة اللَّه على الحياة الماديّة والمعنويّة للإنسان إنّما تغذي روحه ، وتوصله إلى أهدافه الساميّة وتحميه ممّا يتعرض له من مشاكل ، وتعد مصدر السكينة والطمأنينة في عالم البرزخ والقبر ويوم القيامة .
ثم واصل عليه السلام كلامه بالتطرق إلى علّة لزوم الطاعة فقال :
« فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَة ، ومَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَة ، وأُوَارِ « 4 » نِيرَان مُوقَدَة » .
هامش
( 1 ) . « منهل » بمعنى المكان الذي يصلون منه إلى الماء ومن مادة « نهل » على وزن « محل » بمعنى ابتداء شربالماء .
( 2 ) . « ورود » تعني فيالأصل الذهاب قرب الماء ، ثم اتسع معناها ليشمل الدخول في كلّ شيء .
( 3 ) . « درك » على وزن « سَمك » بمعنى اللحاق والوصول والتعويض عن شيء .
( 4 ) . « أوار » على وزن « غبار » بمعنى حرارة الشمس ولهيبها وتطلق أحياناً على العطش الناتج منه .