بطلب إكمال هذه النعم والتوفيق للاعتصام بحبل اللَّه ، والمراد منه دين اللَّه كما يفهم من الآية الشريفة : « وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا » « 1 » .
أو المراد القرآنالكريم كما يستفاد من حديث الثقلين حيث قوله :
« كِتابَ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَالسَّماءِ الَىالأَرْضِ » « 2 »
أو المراد كلاهما حيث ليس هنالك من فارق بينهما .
الحقّ سنصبح أسعد الناس إن شملنا هذا التوفيق الإلهي بحيث تتمّ نعمه علينا ويقوى تمسكنا بحبل اللَّه .
وقد طرح بعض شرّاح نهج البلاغة إشكالًا مفاده : كيف يطلب الإمام عليه السلام إتمام النعمة ، بينما صرّح القرآن الكريم قائلًا : « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَاتُحْصُوهَا » « 3 » في إشارة إلى أنّ نعم اللَّه خارجة عن حدود العد والإحصاء ؟
ولكن ما ينبغي الالتفات إليه هو أنّ لإتمام النعم مراحل ودرجات ؛ فإن تعذر على الإنسان بلوغ المرحلة النهائيّة فإنّه يستطيع الوصول إلى سائر مراحلها الأخرى وهذا ما سأله الإمام عليه السلام اللَّه تبارك وتعالى .
ثم شهد عليه السلام بنبوّة النّبي صلى الله عليه وآله بذكر بعض الصفات البارزة من صفاته فقال :
« ونَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ، خَاضَ إِلَى رِضْوَانِاللَّهِ كُلَّغَمْرَة « 4 » ، وتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّغُصَّة « 5 » » .
وهاتان الصفتان التي بينهما الإمام عليه السلام بشأن النّبي صلى الله عليه وآله جامعتان لكلّ صفات الخير ؛ فالوقوف بوجه المحن والجلد على المصائب مالم يقترن بتلك المقاومة والتحمل فإنّه لن يتمخض عن تبلور الأعمال ذات الأهميّة .
وتشير العبارة :
« تَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّة »
إلى أنّ المحن والخطوب التي تحملها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لم تكن واحدة أو اثنتين بل كان يتجرعها الواحدة تلو الأخرى .
هامش
( 1 ) . سورة آل عمران ، الآية 103 .
( 2 ) . مجمع البيان ، ذيل الآية 103 ، سورة آل عمران ، رواه أبو سعيد الخدري عن النّبي صلى الله عليه وآله .
( 3 ) . سورة إبراهيم ، الآية 34 .
( 4 ) . « غمرة » من « غمر » على وزن « خمر » إزالة أثر الشيء ثم أطلقت الغمرة والغامر على ما ازدحم وكثر من الماء .
( 5 ) . « غصّة » تعني في الأصل الماء والغذاء وكل ما يحشر في الحلقوم وحيث يشعر الإنسان بأنّ شيئاً يحشر في حلقه عند الغم فقد عبّر عن ذلك بالغصّة .